فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 781

ويجب أن تعلم أن هذا الموضع إنما يكون حقيقيا إذا كان العام المذكور مستغنى عنه، فإن كثيرا من الأشياء لا يستغني أن يؤخذ في حدودها الشيء والموجود، كالمقولات وما هو أعم منها. والمثال المورد في التعليم الأول تحديد من حدد النفس بأنه عدد محرك لذاته، ثم المحرك لذاته عندهم يطابق ماهية النفس، لأن النفس تدل به على المحرك لذاته. فإن كان عددا فليس ذلك داخلا في مفهوم كونه نفسا، فيكون ذكر العدد فصلا، أي إن كان المحرك كالجنس القريب ولذاته كالفصل، ولم يكن مجموعهما فصلا؛ ولا مناقشة في الأمثلة؛ أو لم يكن المحرك لذاته خاصا له. وكقول من حد البلغم بأنه أول رطوبة غير منهضمة، فإنه ليس في البدن رطوبات غير منهضمة غير البلغم حتى يكون منها أول وثان؛ فإما أن يكون الأول فصلا، وإما أن يكون غير المنهضم فصلا.

وموضع آخر من أن لا تكون الزيادة الفصلية فصلا بحسب العموم، بل يكون لحوقه بسبب الخصوص؛ وذلك أن يكون لحوقه يجعل المعنى أخص، وإن اتفق أن يكون مع ذلك واقعا في أنواع كثيرة من غير أن يعمم شيئا منها، مثل البياض إذا أخذ في حد الإنسان أو النور فيجعله أخص؛ مع أن البياض من وجه أعم. وقد جعل مثاله في التعليم الأول أن يحد شيء بأنه حي، ذو رجلين، ذو أربع؛ وهذا ليس الفساد فيه من هذه الجهة، بل عسى أن يكون من جهة التناقض بالقوة، فإن ذا رجلين وذا أربع لا يجتمعان معا في نوع واحد، فيشبه أن يكون أريد فيه أن يحدد المستقل من الحيوان عن الأرض، فقيل: إنه مشاء ذو رجلين، وذو أربع، على أن يعم أصناف الماشي وعلى أن القسمين كشيء عام لذوات الأرجل كلها المستقلة عن الأرض، فيكون المحدد قد خصص الحيوان المستقل بذي الرجلين، وذي الأربع، وهو اعم من ذلك ؛ فغن منه أيضًا ما هو ذو ست أرجل، وذو ثمان أرجل، وذو أرجل كثيرة العدد، وهو يقصد أن يشتمل تحديده على كل ماش، فيكون حينئذ هذا الحد فاسدا من جهة أن الفصول أخص من المحدود، ومخصصة للمحدود. ويجوز أن يكون وقع في النسخة تحريف، أو أريد أن يحد المستقل من الحيوان، فقيل: حي، ماش، ذو رجلين أو أربع، فغلط وكتب ذو أربع، فحينئذ يكون التحريف في النسخة.

وموضع آخر أن يكون قد أخذ شيئا واحدا مكررا بالفعل أو بالقوة مرتين. فمن ذلك أن يكون التكرير من جهة اعتبار المحدود وجزء الحد، كمن يقول: إن الشهوة توقان إلى اللذيذ، فإن التوقان هو الشهوة نفسها. ومن ذلك أن يكون جزء أن يكون جزء الحد قد أخذ في الحد مرتين: إما بالقوة، فكما قيل في المثال المذكور من أن الشهوة توقان إلى اللذيذ، واللذيذ متضمن في حد التوقان، فيكون كأنه قال: إن الشهوة انبعاث إرادة لذيذ إلى لذيذ. وإما بالفعل؛ وإنما يقع ذلك حيث يستعمل اسمان مترادفان، كقولهم: إن الحركة زوال وانتقال من مكان إلى مكان، والزوال والانتقال اسمان نترادفان.

وليس لطاعن أن يطعن فيقول: إنك إذا قلت مثلا إن الإنسان حيوان مشاء ذو قائمتين، فقد قلت: الإنسان حيوان إنسان؛ إذ المشاء ذو القائمتين إنسان. وإنما لم يكن له أن يقول ذلك، لأن المشاء ذا القائمتين يدل على الإنسان بحسب اللزوم لا بحسب الترادف، ولا بحسب التضمين. وقد عرفت ذلك في مواضع أخرى. وكلامنا هذا إنما هو من حيث تكون الدلالة الموجبة للتكرير بحسب الترادف، أو بحسب التضمين. وأما إذا قلنا حيوان، فما قلنا فيه مشاء لا بالترادف ولا بالتضمين؛ وكذلك إذا قلنا مشاء، لم نقل فيه"ذو قائمتين"لا بالترادف ولا بالتضمين. إنما يكون التكرير مثل قول من يقول: إن الفهم هو محدد الموجودات وعالم بها، وليس مفهوم المحدد هاهنا إلا مفهوم العالم بها؛ وهذا بالترادف. ومثل قول القائل: إن البرد عدم الحرارة بالطبع، فإن العدم هو في كل موضع بالطبع، لأن العدم أن يبقى الطبع ولا شيء آخر. إنما الملكات هي التي تستفاد من خارج؛ فقوله بالطبع مكرر، فإنه مضمون في العدم بالقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت