فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 781

وموضع مجانس لهذه المواضع، وهو أن تكون الزيادة المخصصة هي نوع، فيكون قد اجتمع فيه التخصيص والتكرير، إذ الجنس مضمن في طبيعة النوع. وهذا كقول القائل: إن الدعة انتقاص الأشياء الموافقة الواجبة؛ فإن الواجبة تخصص المحدود، ومع ذلك فإنها نوع من الموافقة، فتكون الموافقة مضمنة فيه، فتكون مقولة بالقوة مرتين. وهذا كقول من يقول: إن الحيوان جسم ذو نفس إنسان، فيكون خصصه بالزيادة، ويكون قال شيئا مرتين، لأن الإنسان متضمن لمعنى الحيوان.

فصل (ب)

وأما النظر ليس في انه هل أجاد الحد، بل في أنه هل حد، فأول الموضوع في ذلك أن ننظر هل حدد بأمور هي أقدم في المعرفة والطباع من المحدود، فإنه كذلك ينبغي أن يكون، لأن المأخوذة في الحد يجب أن تكون مقومات لماهية المحدود فيجب أن يكون أقدم منه بالطباع. وأيضًا يجب أن تكون معرّفة لماهيته، فيكون أعرف عندنا، ولما كان في طباع المحدود النوعي ما يقوّمه، ومنه يتوصل إلى معرفته، كما قد علمته.

وظاهر من أصول عرفتها أن جمع ذلك في قول هو حد الشيء؛ فإذا كان ذلك حدا، ثم كان المأخوذة عما ليس أقدم من المحدود وأعرف منه حدا، كان للشيء الذي له ذات واحدة حدان، وهذا هو المحال. والعرف إما عندنا، وإما على الإطلاق، وهو الذي يجب في نفسه أن يكون أعرف. ونحن إذا عرفنا الشيء، فربما عرفناه بما هو أعرف في نفسه، بأن تقول مثلا: إن الخط هو الذي مبدؤه غير منقسم أو الذي مبدؤه نقطة. على أنا نأخذ هاهنا على ما هو المشهور من أن النقطة أقدم بالذات من الخط، وكذلك الخط من السطح، والسطح من الجسم. وربما عرفناه بما هو أعرف عندنا؛ وليس أعرف على الإطلاق؛ كما قد نعرف الخط بأنه الذي طرفه نقطة. وإذا سلكنا هذا المسلك، لم نكن محددين بالحقيقة، بل راسمين، أو مستعملين وجها آخر من شرح الاسم، إن كان هاهنا شيء غير الحد الحقيقي وغير الرسم.

وإنما يكون الحد حقيقيا إذا كان مما هو أعرف عندنا وأعرف على الإطلاق. ويشبه أن يكون المتلقي بذهنه للتحديد أعلى رتبة، وأوفر دربة من المتلقى بذهنه للترسيم؛ ويكون المستعدون لتفهم الرسوم دون الحدود هم الذين دربتهم أقل، ومعرفتهم أقل، ومعرفتهم أندر.

ولو كان ما هو اعرف عندنا مبدأ للتحديد؛ أمكن أن يكون للشيء الواحد حدود كثيرة بحسب الأعرف عند كل حاد؛ فكان واحد يحد الإنسان بأنه: حيوان مستعد للفلاحة.

وربما كان الشيء أعرف في سن الشباب؛ ثم يصير غيره اعرف في سن الحنكة.

وموضع مناسب لهذا، وهو أن يكون الشيء المتحصل الذات؛ المستقر الماهية قد عرف بشيء غير متحصل الذات ولا محدودا، ولا مستقر الماهية؛ مثل من يعرف الصحة بأنها مقابلة المرض؛ والصحة متحددة، والمرض شيء في التغير وعدمي الذات. وكذلك من حد البصر بأنه: عدم العمى؛ والعمى عدم، وليس له ذات متحصلة.

ومواضع أخذ ما ليس باعرف ثلاثة: أحدهما أن يكون المأخوذ مساويا للمحدود أو المرسوم في الجهالة؛ كالضدين من المتقابلات، فإنه ليس أحدهما أعرف من الآخر، وليس تعريف أحدهما بالآخر أولى من تعريف الآخر به، مثل أنه ليس تعريف البياض والخير بان ذلك ليس بسواد وهذا ليس بشر، أعني الشر المقابل كالرذيلة، لا العدمي الذي يؤخذ في تحديده مقابله الذي هو الملكة، بأولى من أن يقال، بل السواد هو الذي ليس ببياض، والشر هو الذي ليس بخير.

وأما الملكة والعدم، والموجبة والسالبة، فتحديد الوجودي منهما مما يتم بنفسه، لأنه معقول بنفسه، وبفعله وانفعاله وخواصه. وأما العدمي والنافي السالب، فإنما يتم تعريفهما بالوجودي، فلا يمكن أن نتصور العمى إن لم نتصور أنه للبصر، فيقال إن العمى عدم البصر، لا كالبصر الذي تعرف حاله وطباعه، وإن لم تلتفت إلى انه عدم البتة في شخص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت