فهرس الكتاب

الصفحة 619 من 781

وأما المتضايفات فلابد أن يدخل أحدهما في حد الآخر، إذ كانت ماهيته مقولة بالقياس إلى الآخر؛ ولكن ينبغي أن يؤخذ بعضها في حدود بعض على الوجه الأوفق؛ وهذه لفظة التعليم الأول. ومعنى جملة ذلك القول أنه: لما كان كل واحد من المتضايفين ومقول الماهية بالقياس إلى الآخر، فلا بد من أن يؤخذ كل في حد الآخر؛ لكنه وإن كان ذلك كذلك، فغن الآخذ لأحدهما في حد الآخر أخذا جزافا بلا تدبير، يمكن أن يقال له إنه قد عرف الشيء بما ليس أعرف منه، بل هو مثله؛ فيجب أن تدبر في ذلك تدبيرا يوافق وترك هذا التدبير إلى إفهامنا.

فنقول: إن المتضايفين يكون لهما ذاتان فيهما الإضافتان، فإذا كان التعريف ساذجا، فقيل: ما الجار؟ فقيل: الذي له جار، لم ينتفع بذلك، وخصوصا إذا كانا كلاهما مجهولين. ولكن إذا أخذ أحدهما من حيث هو ذات، ومن حيث له مع الذات حال إن كان هو بها معدا للإضافة، فحينئذ يمكن أن يعرف به الآخر، فيقال مثلا: إن هذا المسمى جارا، فيؤخذ من حيث هو مسمى جارا؛ قم يقال: هو إنسان، فيؤخذ من حيث هو إنسان؛ ثم يقال: ساكن دار، فيؤخذ أيضًا مع الإنسان هذه الحال. ثم يقال: تلك الدار أحد حدودها هو بعينه حد دار إنسان آخر، هو الذي يسمى جار له، فتتبين به العلاقة، فيكون قد أخذ الجار من حيث الشيء مسمى به، ودل على الحال التي له، ودل على آخر، وانعقدت في النفس صورة الإضافة والمتضايفين، وعلما معا؛ فلم يؤخذ أحدهما في حد الآخر على أنه جزء حده، فإنك تجد جميع أجزاء هذا الحد مستمرا من غير أخذ المحدود من حيث هو مضايف فيهما، بل إن كان ولابد فمن حيث هو مسمى أو من حيث هو ذات بحال أخرى، ولو أنه أخذ في حده وجعل جزء حده لا على هذه الجهة لكان أعرف منه، ومعروفا قبله، وليس معروفا معه فهذا موضع من هذه المواضع.

وموضع آخر هو أن يكون الشيء قد أخذته في حد نفسه على سبيل التضمين من حيث لا تشعر به فيكون قد عرف الشيء بما ليس أعرف، كقولهم في حد الشمس: إن الشمس كوكب يطلع نهارا؛ ثم النهار حده أنه زمان حركة الشمس فوق الأرض فيكون كأنه قال: إن الشمس كوكب يطلع زمان كون الشمس فوق الأرض.

وموضع آخر أن تؤخذ الأمور المتساوية في الترتيب تحت جنس واحد بعضها في حد بعض. وهذا الموضع يدخل في تعريف الشيء بما ليس أعرف منه. ومثال هذا الموضع قول من قال: إن الفرد هو الذي يزيد على الزوج بواحد، فقوله هذا في تعريف الفرد ليس بأولى من أن يقال في تحديد الزوج: إن الزوج هو الذي يزيد على الفرد بواحد.

وموضع آخر يؤخذ فيه المحدود نفسه في حد نفسه، بسبب ما هو أخص منه؛ وتحته بأن يكون قد أخذ نوعه أو جزء نوعه في حده، كقوله: إن العدد الزوج هو المنقسم بنصفين، والنصفان من جملة الاثنين، والاثنان نوع في ظاهر الأمر من الزوج. وكذلك لو قيل: إن الزوج هم المنقسم بمتساويين، فإن التثنية، والاثنينية، تحت الزوج؛ وهذا على ظاهر المشهور. وأما في الحقيقة، فليست الزوجية فصلا للعدد، ولا جنسا لأنواعه. وقد علة هذا من مواضع أخرى، وعلم أن الزوجية من اللوازم الغير المقومة لأنواع العدد. لكن الاشتغال بتحقيق الأمثلة مع الوقوف على الغرض فضل.

ومثال آخر لهذا الموضع، أن الخير فضيلة؛ فيكون قد جمع هذا أن جعل الخير مذكورا في الفضيلة بالتضمين، وجعل الخير تحت الفضيلة.

ومن مواضع إغفال الواجب والعدول عنه، أن يكون الجنس قد اغفل وذكر الفصل، فقيل مثلا في حد الجسم: إنه ذو ثلاثة أبعاد، وأغفل الشيء الذي ذو الأبعاد الثلاثة. وقد علمت ما في ذلك، وعلمت أيضًا أن الماهية المشتركة يدل عليها الجنس.

ومن مواضعه أن يكون قد ترك بعض الفصول، فقيل مثلا: إن الكاتب هو الذي يحسن أن يخط، فإنه أيضًا الذي يحسن أن يقرأ. وإذا تركت القراءة في التحديد فقد ترك فصل غير مضمن فيما سلف، وهو محتاج إليه؛ وإن كان القول الأول ربما ساوى في العموم.

وموضع يقابل هذا، وهو أن يزيد شيئا، وإن كان مساويا، على انه فصل، وإنما يكون بالعرض؛ كقول القائل للطبيب إنه الذي يحدث الصحة والمرض، وإحداثه للمرض بالعرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت