فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 781

ويشبه أن يكون المفهوم من أي شيء من جهة ما يعم مندرجا في أي شيء من جهة ما يميز. فإنه إذا سأل سائل فقال: أي شيء كذا من باب كذا، فكأنه سأل: أي شيء كان ليس أي شيء المعين. فغن لفظة"شيء"في قوله:"أي شيء"، هو التنكير، والتنكير تعميم ما، فيكون سواء قرن بأي شيء لفظ عام فقيل: أي شيء الإنسان، أو قرن بذلك لفظ خاص شخصي، فقيل: أي شيء زيد، فإنك إن أجبت فقلت: أبو عبد الله ذلك المشار إليه، لم يكن الجواب جوابا، فإنه يقتضي أن نقول: شيء صفته كذا وكذا. وذلك أيضًا عام، حتى إذا سئل: أي شيء زيد؟ فقيل: ناطق، كان ذلك جوابا. فإن قال: كاتب، أو قاعد، أو سائر ما يتعين لم يكن جوابا أيضًا، لأنه طلب عن شيئيته وماهيته. وأما كونه كاتبا فعارض له لو لم يكن لكان أيضًا زيدا؛ وزيد يكون زيدا، كان كاتبا أو لم يكن، وتكون شيئيته المطلوبة ثابتة مجعولة عندما لا يكون كاتبا. فأما إن أجاب بأمر لازم كانت القناعة به أو كد، لغلط السامع، وظنه اللازم مقوما. وأما إذا قال: أيهما زيد، فقيل: أو عبد الله، أقنع بذلك، لأن الأي قرن بإشارة. فإذن الأي إذا قرن بأمر عام، لك يحسن جوابه إلا عاما؛ وإن كان مقرونا بإشارة، حسُن جوابه بإشارة.

وموضع آخر أن ننظر كي لا يكون الفصل من العرضيات التي توجد للشيء، ولا توجد إما بحسب رفع الوجود، وإما بحسب رفع التوهم.

وموضع آخر أن ننظر كي لا يكون الفصل مجمولا على الجنس، فإن هذا يبطل أن يكون المجعول فصلا، فصلا.

وموضع آخر أن يكون الجنس محمولا على الفصل؛ وقد علمت ما في ذلك من المحال، سواء كان الفصل منطقيا أو غير منطقي، لا كما ظ بعضهم أن هذا الموضع إنما هو في اعتبار الجنس والفصل الذي يسمونه بسيطا، مثل الحيوان والنطق، وأن هذا هو الذي لا يجوز أن يقال الجنس فيه على الفصل. وأما إذا كان كالناطق، فإن الحيوان يقال عليه. ومما يبطل هذا الظن، ويحقق أنه غير المذهوب إليه، هو مثال التعليم الأول، إذ قال: إنه لو كان الجنس يحمل على الفصل، ثم الفصل يحمل على النوع، لكان حيوان غير حيوان الجنس يحمل على النوع، بل حيوانات كثيرة أحدها طبيعة الجنس، والآخر الحيوان الذي هو كل فصل. فإنه إذا كان المشاء ذو الرجلين والناطق حيوانا، وهي محمولات على النوع، كانت حيوانات كثيرة محمولة على الإنسان، كالمشاء وذي الرجلين والناطق، مرارا أخرى، بعد حمل الجنس. ولو كان المراد هو الفصل البسيط، لما حسن هذا التشنيع؛ فإن المشي والنطق لو كانت حيوانات أيضًا، لم يعرض هذا المحال، فإنها ليست هي محمولة على الإنسان، فكيف يلزم هذا المحال. ويبين من ذلك محال آخر أوجبه، وهو أنه كان يكون حينئذ كل فصل نوعا؛ فهذا يدل على أن التشنيع ليس من جهة ما يقولون.

وموضع آخر أن لا يكون النوع أو ما تحته يحمل على الفصل، فيكون مقولا على كله، حتى تكون طبيعة الفصل تقتضي أن يقال على كله النوع، أو ما تحت النوع، فغن الواجب أن يكون الفصل مقولا على الوجه الذي علمت على اكثر من النوع. ولو كان النوع مقولا على الفصل، ثم هناك جنس عام، لكان الجنس يقال عليه، إذ نوعه يقال عليه، فكان النوع يفصل من طبية الفصل عن سائر ما يشاركه في طبيعة الجنس، فكان النوع يصير فصلا.

وموضع آخر مأخوذ من اعتبار الجنس والفصل في التقدم والتأخر في الوجود فغن الجنس أقدم في الوجود في اكثر المواضع من الفصل، إذ الفصل في الوجود لا يوجد إلا فيه، وفي بعضه، وقد يوجد الجنس مفارقا له. وقد يظن في بعض المواضع أن الفصل قد يوجد في خارج الجنس، كما قد أشرنا إليه مرارا. لكنه وإن كان كذلك، فلا يكون اقدم من الجن في الوجود حتى إن الجنس لا يوجد مفارقا له، وهو يفارق الجنس، بل عن جاز مفارقته للجنس، جاز مفارقة الجنس له. فغن كان شيء من الأشياء اقدم في الوجود من الجنس، فليس بفصل له، وإن كان الفصل أبدا قبل النوع. وليكن الفصل بالقياس إلى ما يشارك النوع من الأنواع هو أبدا بعد الجنس؛ فإن وإن وقع في بعض الوات خارجا عن الجنس، فإنه إذا قيس إلى أنواع الجنس الذي هو فصل لأحدهما، كان الجنس فيها أقدم منه. فكان هو بعد الجنس.

وموضع آخر أنه إن كان الفصل فصلا لجنس مباين، فليس هو فصلا بالحقيقة في الجنس الذي وضع فيه، وقد عرفت حال المباين أنه كيف يكون، وهو أن لا يكون فوقه، ولا تحته، ولا معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت