فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 781

وموضع آخر أنه إن كان الموضوع فصلا إنما وضع فصلا لجوهر، والفصل في نفسه عرض، فليس إعطاء الفصل جيدا؛ فغن فصول الجواهر ينبغي أن تكون جواهر، وأن الجوهر لا يخالف جوهرا بعرض إلا مخالفة عرضية، فلا يصير جوهر ما نوعا مخالفا لنوع آخر جوهري بان يكون مشاركا لذلك النوع في كل شيء مثلا، إلا في أينه، حتى يكون كونه في أين دون أين، يجعله نوعا دون نوع. وكذلك في عارض آخر. وهذا فقد تحققته فيما سلف. وقد صرح في هذا الموضع أن فصول الجواهر لا يجوز أن تكون مما توجد في موضوع، فبطل قول من يظن أنها تكون بالقياس إلى شيء موجودا في موضوع، وبالقياس إلى النوع لا تكون في موضوع.

قال: وأما إذا قلنا إن من الحيوان بريا ومائيا، فلسنا ندل على أينها، بل ندل على القوة التي بها ينفصل بعضها عن بعض في أصل الجوهر التي تلك القوة تقتضي لها أحوالا، فتقتضي في بعضها أن يعيش في البر، وفي بعضها أن يعيش في البحر. على أن هذه فصول بحسب الشهرة، لا بحسب الضرورة. ولا مضايقة في الأمثلة.

وموضع آخر أن تجعل الفصل للشيء انفعالا له، أي استحالة خارجة عن مقتضى طبيعته؛ فإن ما جرى هذا المجرى يوجب تزيده إفساد الجوهر. ولا شيء من الفصول كذلك مثل الماء: فإنه إذا سخن جدا تأدى به إلى بطلان جوهره، وعداه إلى صيرورته نارا.وبالجملة، وإن كان انفعال عرضي أيضًا لا يفسد الجوهر، فليس ذلك الانفعال بصالح أن يكون فصلا. فكيف ما نحن في ذكره؛ فإن الأشياء تستحيل بإستحالاتها، ولا تستحيل بفصولها، بل تُقّوم بفصولها، وتثبت حقائقها محفوظة بفصولها. والاستحالات خروج عن أحوال الإثبات على الجواهر.

فصل (ج)

وموضع آخر خاص بالمضاف، وهو أن الأمور التي هي مضافة، فغن فصولها يجب أن تكون مضافة. بل نقول: أما المضاف البسيط الذي عرفت حاله، فربما توهم من حاله أن فصله قد يكون أمرا غير مضاف؛ مثل نفس المشابهة فإنها إضافة في كيفية؛ والمساواة فإنها إضافة في كمية، ونسبة إلى كمية؛ والأبوة فهي إضافة في الجوهر، ونسبة أيضًا إلى جوهر. فهذا يوهم أن الفصول فيها غير مضافة، لأن الفصول فيها على ظاهر الحال كيفية وكمية وجوهر. وإذا كان هذا في المضاف البسيط، فكيف في المضاف الذي هو بالمعنى الآخر الذي عرفته وعرفت الفرق فيه.

لكن يجب أن تعلم أن الفصل غير جزء الفصل، وأن الفصل هو الذي يحمل على الشيء على ما علمت، وليس تحمل الكيفية على نوع من أنواع المشابهة، ولا الكمية على نوع من أنواع المساواة، ولا الجوهر على الأبوة؛ لكن هذه أجزاء فصول. بل المشابهة هي موافقة في الكيفية، فالفصل ليس هو الكيفية، بل الفصل هو قولك في الكيفية؛ وقولك في الكيفية معنى مقول الماهية بالقياس إلى الكيفية. وهذا من الواجب إذا كانت الإضافة مقولة على حدّه.

وقد علمت أن نوع مقولة ما لا يكون مقولا على نوع مقولة أخرى قولا مقوما، وأن الشيء لا يدخل بذاته في مقولتين فيقالان عليه قول التواطؤ البتة. قد سلف لك ذلك وصح فكيف يكون شيء ليس من باب المضاف مقولا على نوع من المضاف، ويعطيه اسمه وحده. وإذا لم يكن مقولا، كيف فصلا؟ لكن طبيعة المضاف البسيط يعرض لأمور أخرى، فتكون تلك الأمور هي مخصصاته، فتكون النسبة التي لها إلى تلك الأمور هي فصوله، ومع ذلك لا يكون لها ماهية غير ما هي به مضاف إلا الكون الذي هو شرط في تحقيق مقولة الماف - على ما علمت - ؛ فإن الكون شيئا ما مقولا بالقياس إلى الكيفية الذي هو فصل المشابهة، ليس له وجود آخر غير هذا الذي بالقياس، ليس كالأب الذي له وجود أنه إنسان. وليس إذا كان للكيفية وجود غير الوجود الذي هو به مضاف إلى موافقته التي هي فصل المشابهة، فيجب أن ينعكس في الطرف الآخر، لأن حقيقة علاقة الموافقة للمشابهة هي مع الموافقة التي في الكيفية لا إلى ذات الكيفية بما هي كيفية، وذلك المعنى قائم في الكيفية؛ وكونه قائما في الكيفية معنى لا تتخصص عرضيته، لا كونه مضافا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت