فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 781

وكذلك الخطأ في قول من يقول: إن الصحة اعتدال الأخلاط، فإذن سيكون الصحيح هو الخلط. وبالجملة الاعتدال سبب الصحة لا الصحة؛ وضعف الحس سبب النوم، لا النوم. وكذلك تفرق الاتصال سبب للوجع ليس الوجع؛ وتساوي الأفكار سبب للشك، لا الشك.

وموضع آخر، وهو ان يراعى حال زمان المحدود وزمان الحد، هل يختلفان؟ وهل في الحد لفظ ينافي مقتضى المحدود. مثاله لو أن قائلا قال في تحديد شيء غير مائت إنه الذي هو غير مائت الآن، وكان المحدود هو الذي لا يموت البتة، فلم يكن طابق بين الحد والمحدود. لكنه قد يعنى بإدخال لفظة"الآن"هاهنا معاني أحرى أيضًا.

ولنجعل مثاله في غير الفاسد، فإن الذي يقال إنه غير فاسد الآن؛ يعني أنه لم يفسد الآن، وكان يمكن ولا يستحيل لو فسد فيه. ويقال أيضًا: إنه غير فاسد الآن إذا كان من شأنه أن يفسد، ولكن لا يمكن أن يفسد في هذه الساعة، فإن كثيرا من الأشياء الممكنة أن يكون أن يعرض لها في بعض الأوقات أن لا يمكن أن يكون فيها، إذا كانت أسباب مانعة أو حافظة، أو كانت الأسباب الفاعلة لذلك الكون معدومة. ويقال إنه غير فاسد بمعنى ثالث: أنه موصوف الآن بأنه في طبعه غير فاسد البتة. فهذا المعنى، وإن كان قد يصح أن يقال على غير المائت الذي هو المحدود فإن إدخال"الآن"فيه حشو. فغن الشيء بتلك الصفة قبل ذلك الآن وبعده، فليس"الآن"شرطا في صحة القول، فلا فائدة في إدخاله له.

وأيضًا فإنه قد كان يجوز أن يفرض شيء، لو وجد لكان غير مائت، كملك متوهم، أو جرم سماوي آخر، لو كان. ولو فرضنا هذا الفرض، لكان يوجب أن نجعله غير مائت ولا يوجب أن يجعله الفرض موجودا الآن أو قبله. فبيّن إذن أن أمثال هذه الزيادات تجعل للحدود مفهومات غير المفهومات التي تقتضيها المحدودات، والتي تحاذيها الأسماء.

وقد مضى في مواضع أخر أمر الزمان واختلافه، وما يعتبر في ذلك. وكل ذلك فقد يحسن إدخاله في اعتبار الحدود، لأنها تدل على اعتبارات تدخل في الوجود، أعني وجود الحد الممى. فما منع الوجود منع ذلك، ولا ينعكس. وبالجملة فغن المواضع التي في العرض نافعة في اعتبار هل معنى الحد موجود للمسمى.

وموضع آخر أن يكون قول آخر غير ذلك الحد يجعل الشيء أكثر في المعنى وأحق به؛ فلن يكون القول المدعى انه حد حدا، مثل من يقول في حد العدالة: إنها قوة على قسمة الأمور بالسوية. ثم من البين أن إيثار فعل القسمة بالواجب المقوى عليه، والميل إليه، لا محالة عدل، وليس درجتهما بالسواء، وبينهما تفاوت. فهذا الإيثار أكثر في العدلية، فإنه إن لم يكن هذا أكثر، وليسا سواء فالقدرة على هذه القسمة إذن أكثر في العدلية. فيكون من يقدر ولا يؤثر، أعدل من الذي يؤثر أن يفعل ما يقدر عليه. وإذ هذا محال، فبيّن أن الحد الذي يجعل المحدود أنقص حالا في معناه الذي هو العدالة في هذا الموضع ليس بجيد ولا مختار.

ويلي هذه المواضع مواضع تتعلق بالأكثر والأقل، بأن يكون الحد يقبل، والمحدود لا يقبل، وبالعكس؛ أو كلاهما يقبلان، ولكن لا يذهبان في القلة والكثرة معا، كمن حد العشق بأنه شهوة الجماع؛ وإذا اشتد العشق نقصت شهوة الجماع.

وموضع آخر مجانس لهذا، ولكنه يخالفه بأدنى شيء، وهو أن يكون ما يقال عليه الحد أكثر يقال عليه الاسم أقل، وبالعكس؛ فيكون إن ازداد ذلك نقص هذا، وإن نقص ذاك ازداد هذا. كمن يقول: إن النار ألطف الأجسام كلها، واللهيب من الوقود أكنف من نار البرق، ونار الحباحب. ثم اللهيب اولى بالنارية من نار البرق أو من الشعاع على مذهب من يراه جسما ناريا. والفرق بين هذا الموضع والأول، أن هناك شهوة الجماع لا تقال على شيء من العشق، وأما هاهنا فغن ألطف الأجرام قد يقال على بع ما هو نار، فتكون النيران كلها قد يقال لها لطيفة، لكنها لا يكون كونها ألطف موازيا لكونها نارا؛ لا بل الذي هو أقل نارية أشد لطافة، وإن كان جملة النار ألطف سائر الأجسام. فلهذا ما ليس المعنى أمرا تتجوهر به النار ويدل على حدها. وأما في الموضع الذي قبله فغن حمل الحد على طبية المحدود كان كاذبا بالجملة. وهاهنا أيضًا فروق أخرى ليس في ذكرا وتعديدها كثير جدوى.

وموضع آخر أن تكون مثلا النارية في اللهيب وفي الضوء بالسوية، ثم لا تكون اللطافة فيهما بالسوية.

الفصل الرابع فصل (د) في مثل ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت