فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 781

وموضع آخر أن يدخل الحاد في حد الشيء أمرين لا يجتمعان معا في الحدود، مثل أن يقول قائل؛ إن الحسن هو اللذيذ عند السمع، واللذيذ عند البصر، والموجود هو الذي يمكن أن يفعل وأن ينفعل. فحينئذ اللذيذ عند السمع وحده لا يكون حسنا؛ ولأن هذا حد الحسن المنعكس عليه، فيكون كل حسن مما لا يشك فيه فهو لذيذ عند السمع وعند البصر معا. لكن اللذيذ عند البصر وَحْدَه حسن، فهو حسن لا حسن. وكذلك اللذيذ عند السمع وحده. وبالجملة إن كان أحد القسمين من هذين إذا حصل أصاب وحده، فالقسم الآخر خارج عن الحد. وإن كان الشرط أن يضاف إليه القسم الثاني، فالواحد وحده ليس بحسن، ولا هو أيضا في المثال الآخر بموجود، مثل الآلة التي لا تنفعل البتة، والهيولى التي لا تفعل ألبتة، ولكنهما موجودان.

وهذا موضوع نافع، فإن كثير من الناس يحد من طريق القسمة والتشجير، وهو لا يشعر أن ذلك ليس بحد. ولا أمنع من أن يكون أيضا معاونة في الدلالة على المعنى المطلوب، بل نقول: إن دلالته دلالة العلامة، كأن المستعين بذلك يقول: إن مرادي فيما أقول هو الشيء الذي منه كذا ومنه كذا. والشيء الذي لا يخلو من كذا ومن كذا فيعرفه بأمور خارجة عنه، هي الفصول التي تلحقه والقسمة التي تناله، ويكون ذلك كالخاصة له، وهو بيان ضعيف، فإنه لو كان يدل على الشيء بعلامة تشمله ولا تُعَرفّ جوهرة، لكان بعيدا عن أن يكون تعريفا حقيقيا، فكيف هذا العريف الذي إنما يعرف الشيء بعارض لا يعمه.

ويعد هذا الموضوع موضوع كلي جدا يعم مواضيع قيلت، وهو أن يكون المدلول عليه بالاسم غير موافق بوجه ما للمدلول عليه بالحد؛ فحينئذ لا يكون الحد حدا، مثل أن يكون المدلول عليه بالاسم مضافا لنفسه كالعلم، أو لجنسه كالنحو، ثم لا يكون المدلول عليه بالحد كذلك.

ومثال الغلط في ذلك أن تحد العلم فتقول: إنه ظن لا يختلف، والظن مما يقال على العلم. ولننزل أن العلم ظن ومضاف إلى المعلوم. فقد أساء هذا الحد من الفلاسفة من جهة أنه أتى بمضاف، وأغفل مقابله في الإضافة. ولا أقل من أن يكون كان قال: إن العلم ظن بالمعلوم، أو المظنون، أو بشئ كذا لا يختلف. وكذلك قول من قال: إن الإرادة شوق لا أذى معه. فلا أقل من أن يقول: شوق إلى غرض هو خيرا، أو يرى خيرا. وكذلك إذا حد حاد صناعة الكتابة فلم يقل: إنها علم بماذا، فلم يقل مثلا أمها علم بالتسطير.

ومن هذا الباب أن يكون قد أومأ إلى الإضافة، لكنه لم يومئ إلى الشيء الذي هو الغاية، والذي إليه الإضافة بالذات والى غيره لأجله. كمن الشهوة بأنها شوق إلى اللذيذ، ولم يقل إلى اللذة: وكان يجب أن يقول إلى اللذة، فإن اللذة هي الأصل، والغاية، ولأجلها يطلب اللذيذ.

وموضع آخر أن يجعل بدل الغاية التي ينبغي أن يؤخذ في الحد المصير أليها، والاتجاه نحوها. كمن قال: إن صناعة البناء هي ملكة تحرك الأجزاء إلى الاجتماع كالطين واللبن، ولا يقول أنها ملكة لأن يوجد بالفعل، فإنها ليست لأجل حركات أن يبنى، بل لأن يكون البناء يحصل، ويفرغ من معنى أن يبنى. وقد يعاند هذا بأنا نطلب اللذة لأن نلتذ، لا لأن ينقطع الالتذاذ؛ لكن الحقيقة في هذا أن الغايات منها ما هي أمور مستقرة كحصول العلم، ومنها أمور وجودها أن تتكرر فقط، فما كان وجوده أن يكون في التكون، كالرقص وما أشبه ذلك،فإن يكون غاية على نحو وجوده؛ وما كان وجوده هو أن يستقر، فإنما تكون الغاية حاصلة، إذا تم وأستقر. وإنما يعنف الحاد إذا جعل التوجيه إلى الغاية غاية. وأما الالتذاذ فليس توجها إلى غاية، بل هي نفس الغاية؛ ولا إليها توجه أيضا بأن تكون استحالة ما متصلة نهايتها الالتذاذ، وليست بالتذاذ. والتوجه كطلب ما؛ والطلب ليس مقصودا بنفسه. وبالجملة إذا لم يكن الأمر الغير المستقر يطلب للمستقر، بل كان كحركة الفلك، أمكن أن يكون بوجه من الوجوه غاية بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت