فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 781

وبعد هذا موضوع يشتمل على مواضيع كثيرة بالقوة، وهو أن يكون للمعنى المحدود تقدير بقومه، أو كيف، أو أين؛ ثم يغفله مثل أن يجد محب الكرامة أو الفاجر بأن ذلك هو الذي يشتهي أن يكرم، وهذا هو الذي يشتهى اللذة. وليس أحد من الناس إلا وهو يشتهى الكرامة، أو يشتهى اللذة. وإنما يكون محب الكرامة مخصوصا من بينهم، لأنه محب الكرامة لحد ما، ولمبلغ من شهوته للكرامة. وكذلك حال الفاجر في شهوته للذة. وكذلك حال من حد الليل فقال: إنه ظل الأرض، ولم يقل أين ومتى، وماذا وبأي مبلغ. أو قال: إن الغيم تكاثف هواء، ولم يبين أي أحد. أو قال: الريح حركة هواء، ولم يقل بأي مبلغ. أو قال: الزلزلة حركة جرم الأرض، ولم يبين كم وكيف. وهذا يعود بالجملة إلى إغفال فصل من حقه أن يدل عليه، حتى يكون الفصل فصلا. وقد قيل في هذا المكان في التعليم الأول، لأنه إذا أغفل فصلا من هذه الفصول لم يصف ماهية ذلك الشيء. وهذا دليل على أن المذهب الحق هو أن ماهية الشيء إنما تتم بكمال صفات ذاته، وأن الجنس وحده لا يدل على ماهية نوع واحد وحده.

ومن الأمثلة لهذه المواضع أن تحد الإرادة بأنها انبعاث شوقي نحو الخير، ولا يقال نحو الخير في الظاهر، فإنه قد يراد ما ليس خيرا حقيقيا. وهذا المثال يخالف المثال الأول فإن هذه الزيادة تجعل الشيء أعم، وكانت الزيادة في المثال الذي قبل هذا المثال تجعل الشيء أخص، فإن الخير في الظاهر أعم من الخير، إذا عنى الخير بالحقيقة. وهذا المثال لا يستقيم على مذهب أصحاب الصور، فإن الصورة الحقيقية إنما تكون عندهم لما يكون في نفسه حقا. وأما الشيء الذي بحسب الظاهر فلا توجد له الصورة، فكيف يمكن إذن أن يحد على هذا النحو الذي لابد من أن تحد بعض الأشياء على نحوه. وكما أن العموم من حقه أن يراعى بإزاء العموم، فكذلك الخصوص من حقه أن يراعى بإزاء الخصوص، فإن حددت شيئا نوعيا فهنالك ليس يلزم أن يكون الطاهر مأخوذا فيه، بل يجوز أن يكون المأخوذ فيه هو الحقيقي، فإن الظاهر يجعل المعنى أعم، والحقيقي يجعله أخص، فيجوز أن يكون ترك هذه الزيادة التي توجب زيادة عموم تخصيصا؛ مثل أن الشهوة المطلقة يجوز أن تكون للذيذ المطلق العام الحقيقي الذي هو في الحقيقة، والذي هو في الظاهر كذلك. والإرادة المطلقة نسبتها للخير المطلق نسبة العام الحقيقي والظاهر. وأما هذا النوع المعين من الإرادة نفسه، أو هذه الشهوة نفسها، فليس يجب أن يكون لا محالة للظاهر.

وموضع آخر، وهو أن تقاس حدود الملكات والحالات، وبالجملة حدود الصفات كاللذة مثلا، فقد حد بالقوة أشياء كثيرة مثل الموصوف بها، ومثل فاعلها، أعني قد يكون حد الملتذ واللذيذ جميعا. ومن حد العلم، فإنه يكون قد حدد بالقوة العالم والمتعلم والمعلوم وغير ذلك. فإن كان ذلك لا يستمر، فقد أخطأ. ومثله إن حد حاد اللذة بأنها نفع حسي، وكان لا يسلم أن الملتذ منتفع، فلم يحسن. وكذلك إن حد اللذيذ بأنه نافع حسي، ثم لم تكن اللذة نفعا، فلم يحسن. ولكن هذا العكس ليس ضروريا، وقد سلف لك القول في مثله.

ومن جنس هذا الموضع أن ننظر في المتقابلات وفي النظائر، مثلا في المحدودات المضافية؛ فإنه إذا كان للجنس مضايف جنسي، فهل للنوع مضايف نوعي، كمضايف الجنس فإنه إن كان الاعتقاد الكلى بحسب معتقد كلى، فاعتقاد ما بحسب معتقد ما؛ فإن لم يكن فقد غلط.

وأيضًا فإن اعتبار وجود ضد الحد حدا للضد موضع جدلي؛ وقد قيل فيه ما سلف لك. وأما المتقابلات بالعدم والملكة، فالعدم يحد بالملكة، ولا ينعكس. وقد عرفت هذا، وعرفت أنه لو انعكس لكان قد أخذت الملكة في حد نفسها، إذا أخذت في حد عدم يوجد في حده الملكة. وكذلك السلب والإيجاب.

وموضع يجب أن يراعى في حدود الأعدام التي إنما هي بحسب قائل وزمان ووقت - على ما عرفت - هل حدد ذلك في القول، فلم يقل مثلا إن العمى عدم البصر فقط، بل ذكر مع ذلك أنه فيما شأنه أن يبصر، وفي الوقت الذي فيه يبصر، وفي عضو مخصوص. وكذلك لم يقل إن الجهل هو عدم العلم وسكت، فإنه ليس الجهل أي عدم علم اتفق، بل المقابل. وننظر أيضًا في التصاريف التي بين المصادر، والأسماء والأفعال على ما علمت مرارا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت