ومن الناس من إذا سئل عن المقدمات المطلوب تسليمها، وشنعت بالقياس عليها أوهمه اقتران القياس بها أن تسليمها واجب. فهؤلاء لا بأس بمخاطبتهم على هذه الجهة. وليس كل سؤال كلي كما علمت جدليا، فإنه ليس السؤال عن ما هو، وعن أي الأشياء هو جدليا، اللهم إلا أن يكون على أحد وجهين: إما لاستكشاف لفظة يستعملها السائل، وأكثر هذا هو للمجيب، وإما على سبيل المطالبة بأحد طرفي النقيض؛ بأن يقلب السؤال عن الماهية إلى الهلية وتكون حقيقة السؤال تشير إلى الماهية، وذلك أن يجعل التحديد في قسمة طرفي النقيض، كمن يسأل فيقول: هل تقول إن ماهية الخير هو انه الذي يتشوقه الكل، أو لا تقول؟ فغن هذا يستدرج الماهية لا غير؛ وربما حمد، وربما لم يحمد. وهذا مثل أن تقول: إن لم تكن اللذة هي المتشوقة للكل فترى ما هي، ويكون كأنه يقول إن لم تكن اللذة هي كذا، فليس لها حد آخر. وكما تقول: إن لم تفهم هذا عن اللذة، فهل تفهم عنها غيره طلبا لتفصيل معاني الاشتراك. وهذا من المواضع التي تتعلق بالشهرة والحمد. فإنه إن وقع الاصطلاح من الجدليين على قبوله قبل، وإلا فللمجيب أن يقول: هو شيء لا أقوله لك، ولا أفسره، ولا يلزمني ذلك. ولعله من ساعد المجيب وتكفل إيراد حد آخر، ولإظهار اشتراك الاسم في مثل لفظة اللذة كان إلى الإنصاف ما هو. ويجب أن لا يظهر السائل حرصا على تسليم شيء بعينه، فإن ذلك يغري مجيبه باللجاج، ويدل على عجزه، وعلى إزجاء بضاعته إذ هو فقير لا قياس له إلا عن مواد بأعيانها، بل يجب إذا رآه يتعسر أن يتجافى عن تلك المقدمة، وينحرف عنها إلى شيء آخر، ثم يعاودها على جهة لطيفة من الجهات المذكورة.
وكذلك فغن الولوع بتكرير سؤال بعد سؤال، وتسلم بعد تسلم، من غير أن يتبع ذلك بالإنتاج، هو ردي؛ لأن الجدل لا يتضمن من المطالب إلا ما هو قريب المكان من المقدمات. وأما المطالب التي بينها وبين أوائلها مقدمات كثيرة جدا فهي مطلب علمية. وقد علمت هذا فيما سلف. فتكون إذن المقدمات التي ينتفع بها السائل في إبطال الوضع محدودة في عدد ليس بذلك الكثير. فمن أمعن في السؤال مجاوزا به ذلك الحد، فهو إما متوجه بتلك المسائل إلى المطلوب على سبيل خارج عن الجدل، بل أولى أن يكون ذلك تعليما؛ وإما هاذ يشغل الزمان، ويتمحل ما لم يفده، ويطوله بذلك هربا من أن يظهر قصوره عن إنتاج نقيض المطلوب، وتوقعا لأن يسمج طبعه بتذكيره ما يجب أن يعتمد عليه، إذ هو في الحال خال عادم للقياس.
والأمور التي يصعب على الجدلي مصادفة القياس عليها، إما لأنها أمور هي أحوال المبادئ، وإنما نتمكن من معرفة أحوالها إذا عرفت حدودها، وأنها إذا حدت لاح من تحديد حدودها أحوالها وأعراضها، كما علمت في مواضع أخر، فأمكن حينئذ أن يستعمل القياس على أحوالها، أعني بعد تحديدها، وتحليل حدها، فتحتاج أول شيء أن تتسلم حدودها؛ وتسلم الحدود عب. وذلك لأن السؤال عن الماهية ليس بجدلي، والسؤال عن الحد نظر في النقيض أيضًا، وعلى النحو المذكور معرض لإيجاب الطرف المقابل دون طرف الحد.
وإثبات الحد صعب جدا، وإبطاله سهل جدا. فإذا تأكد المجيب ولم يسلم الحد منع عقد القياس على الأحوال التي إنما تنكشف عن الحد ولأن الأوائل أيضًا إنما ترسم في أكثر الأمر بما يتأخر عنها؛ والمتأخرات عنها ربما كانت أمورا كثيرة، ويكون ترسيمه ببعضها ليس أولى من ترسيمه بالبعض الآخر، فيتلبد الاختيار في رسمها.