فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 781

وأيضًا، فإن الحدود قد تشوش ما يقع فيها من اشتراك الرسم والاستعارة فيتكدر فهم الحد نفسه، فيعمر على السائل إيراد الحجة والتوبيخ، وعلى المجيب أيضًا جهة الاحتراز بهذا. وإما لأنها أمور قريبة من الأوائل فتكون صعوبة القياس عليها لشد قربها من الأوائل فلا يوجد بينها وبين الأوائل التي تتبين به إلا مسلك واحد. ومصادفة الواحد قد تتعسر كثيرا، فإنك إذا كان دليلك على أمر ما إنسان واحد، وهو غائب عنك، وكان وجدانك ذلك الأمر أعسر عليك من أن يكون لك أدلاء عدة أيهم صادفته فقد صادفت الدليل. وإما لأنها أمور متأخرة بعيدة عن المبادئ. وهذه فغنما يصعب على الجدلي إصابة القياس عليها لأمور ثلاثة: أحدها كثرة المذاهب الآخذة من المبادئ إليها؛ والثاني طولها؛ والثالث اختلاط بعضها ببعض فيضل الجدلي في تخليصه كلا عن صاحبه، وإفراده عمدة لنفسه إلى أن يتخلص له واحد من جملتها عن الآخر تخلصا لا يضل فيه. وهذا صعب.

وسواء كانت هذه المبادئ مبادئ بحسب الحق أو بحسب الشهرة، فإذا تعذر عليك إصابة القياس على شيء، فانظر في حال حدّه واستكشفه، وانظر هل في حده او في اسمه اشتراك أو استعارة، وافزع إلى طلب القسمة، وإلى طلب الأوساط المرتبة، وعلى ما علمت في كتاب القياس.

واعلم أن التحديد نافع جدا في مصادفة الحجة؛ كمن يلتزم مثلا تصحيح أن الواحد ضده واحد؛ فإنه إذا وفّى الضد حقه في حده، فقال: إن الضد هو المباين في معنى واحد مباينة في الغاية، فطن الذهن حينئذ أن غاية مباينة الواحد من جهة واحدة هو لواحد. وكذلك في الهندسة إذا تعذرت معرفتنا بحال المثلث المقسوم بخط مواز لقاعدته، فرجعنا إلى تحديد النسبة، وصادفنا السطحين في النسبة كالخطين، كانت نسبة الخطين في جهة نسبة السطحين، وكان كذلك حال الخطين في الجهة الأخرى. فمتى علمنا بأن المناسبة ما هي، وأنها تقتضي ان تكون حال الأمور الداخلة فيها في أن تكون في حكم ما وأن لا تكون حالا واحدة، علمنا أن نسب الأضلاع واحدة. واعلم أن جميع التعريفات إنما تُفرض من أمثال هذه الوجوه المذكورة.

وكثيرا ما يعرض أن يضعف السائل عن إيراد مقدمات تكون أشهر من النتيجة، فتلوح له مقدمات هي إما مثل النتيجة أو أقل شهرة منها، فيختارها فيصحح المطلوب؛ وإنما يصحح المطلوب بعد أن يقيس عليها ويصححها، إذ هي تعرض أن لا تسلم، فيقع من بمحل القياس على كل مقدمة منها في كل شغل. ولو أنه أصاب رشده، لكان يصرف وكده إلى ارتياد قياس على نفس المطلوب؛ فإن حق مثل هذه المقدمات بأن يقاس عليها هو حق المطلوب، فالأولى به ان يشتغل بتصحيح الأصل المطلوب، فربما كان ذلك أهون عليه من اشتغاله بتصحيح المقدمتين الذي يتضاعف عليه معه التعب. ومع ذلك كله فيحتاج إلى أن يؤلف منهما مرة أخرى قياسا يؤديه إلى تصحيح المطلوب. ولو أنه اعرض عن تلك المقدمات، وطلب القياس على المطلوب الأول، لكان تعبه في ذلك كتعبه في تصحيح كل مقدمة منهما، اللهم إلا أن يضطر إلى ذلك لعوز القياس، إلا من جهة تلك المقدمات. وأما الجدلي البليغ في مجاهدته، فلا يرضى لنفسه بارتياد قياسات إلا من مقدمات مشهورة أو متسلمة، وأوضح من النتيجة؛ ولا يسبق لمثل ما ذكرناه. وأما في الارتياض؛ فالأصوب أن يستعرض كل قياس، وعلى كل طرف من طرفي النقيض.

فصل (ج)

وأما الوصايا التي يجب أن يمثلها، فليستمع من هذا المبدأ أن كل واحد من المجيب والسائل قد يكون مجيدا، وقد يكون غير مجيد. والسائل إنما يكون مجيدا من جهتين: إحداهما جهة الفعل، والأخرى جهة القدرة.

والذي يكون من جهة الفعل فأن يأتي بقياس من مقدمات هي أشهر؛ والذي يكون من جهة القدرة أن يكون قد ساق كلامه سياقة اضطرت المجيب إلى أن لزمه مقابل الوضع عن مقدمات ليست بمحمودة؛ فكان من نفاذه فيما هو محاولة أن عمل مما ليس بمحمود ما يعمله غيره من المحمودات، كمن بلغ من اقتداره أن يقطع بالكهام من السيوف، وأن يصيب بالأعصل من السهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت