فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 781

وللمجيب أن يتوقف في ابتداء الأمر عن تسليم ما يراد منه تسليمه إذا كان فيه غموض، فلا يسلمنه إلا بعد الاستكشاف والاستفهام. وإذا كان فيما يطال بتسليمه اشتراك اسم، فله أن يستفسره المعنى المقصود فيه، سواء تبرع فعدد معاني ذلك الاسم بنفسه، أو لم يتكلف ذلك، بل جعله إلى السائل، فإنه لا يلزمه أن يجيب عما لا يفهمه، ولا عار عليه أن يقول فيما لا يفهمه انه لا يفهمه. فإذا كان الحكم صادقا أو كاذبا في جميع المعاني لم ينتفع كثيرا بإذهاب الزمان في الاستفسار والاستفصال؛ وإن كان كاذبا في بعض المعاني وصادقا في البعض، فحينئذ يجب له: إما أن يستفهم المعنى، وإما أن يعين أحد المعنيين، ويعرف صدق الحكم عليه دون الآخر، ويجعل الاختبار في المعنيين على السائل.

وعلى أن للمجيب في جميع ذلك أن يسلم في ابتداء الأمر ما يطالب بتسليمه من غير دلالة على الوجه الذي يفهم، ويذهب إليه، ويعينه، فإذا أنتج عليه آخر نقيض وضعه، فكان من وجه آخر غير الوجه الذي فهمه، عاد فبين أن الذي يسلمه ليس هو على هذا المعنى، بل على معنى آخر. لكن هذا يغض من المجيب، ويدل على نقيضه وضعف فيه، أو قلة إنصاف ومراوغة. فربما ظن به أنه حينئذ قد أخذ يحتال، حين لزمه اللازم عما سلمه، فهو يحاول الآن أن يحرف ما سلمه عن وجهه. وربما ظن به أنه كان عييّا غير عالم بالاشتراك، وعاجزا عن طلب التفسير فيه.

والمجيب إذا مانع السائل، فإما أن يمانعه في المقدمات القريبة، وقد قيل في ذلك. وإما أن يمانعه في المقدمات المنتجة للمقدمات القريبة. والسائل إما أن يأخذ تلك المقدمات على أنها تعد نحو قياسات، أو على أنها تعد نحو الاستقراء والتمثيل. وإذا أخذها للاستقراء، وكان المجيب قد سلم الجزئيات، لم يكن له أن يماحكه، أو يمتنع عن القبول إلا بالمناقضة، كما قيل من قبل. وأضعف من المناقضة أن لا يسلم العموم مستغنيا عن أن لا يسلمه بقياس يبين به في بعض الجزئيات أنه بالخلاف، فيكون ذلك قياسا على مقدمة العناد، وهي مقدمة المناقضة. فإن للمجيب أن يفعل هذا، وأنا لم يكن إلا عمل مضطر. وإنما لا يكون له أن يفزع إلى مثل هذا إذا استقرى عليه حين ما يقصد أن يقيس لا على مقدمة العناد، بل على نفس المطلوب ليبطل به كلية الاستقراء، ويجعل للمطلوب مناقضة لللاستقراء، لئلا يتم الاستقراء، فلا يصح نقيض المطلوب. وهذا مما قد سلف لك ذكره.

وأما إذا حاول أن يأتي بقياس ينتج جزئيا غير المطلوب، يخالف حكمه حكم ما عداه فله ذلك؛ كما له أن يأتي بالجزئي المناقض به حسا أو إشارة. ولكن المشاهد والمحسوس المعترف به، آكد من المبين بالدليل. وليس له بعد تسليم الجزئيات أن يأتي بقياس يعاند به المقدمة الكلية عنادا كليا. وكيف وقد سلم الجزئيات وما يعمل بقياسه، وقد أورده قياسا يخالف الظاهرات. والقياسات التي توجب خلاف الظاهران، وإن كان يوجد فيها ما يصعب حله، مثل قياس"زينن"على إبطال الحركة؛ ومعلوم من أمرها أنها مماحكة وعدول عن الحق.

والمماحكة محاورة يعدل بها عن الإنصاف في طريقة المحاورة الاحتجاجية؛ لمثل هذا ما الأولى بالمجيب أن لا ينصر وضعا شنعا، فيحوج إلى المماحكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت