فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 781

وإذا تقلد المجيب وضعا صادقا في المشهور يقيس بقياس ينتج نقيضه في الظاهر فمعلوم أن فيه كذبا. فإن كانت إحدى المقدمتين كاذبة والأخرى صادقة، فلا ينبغي له أن يأخذ في المماحكة بالامتناع عن تسليم الصادقة في المشهور، فينسب إلى التعسف وخصوصا وله عنه محيص؛ بل يجب أن ينقض القياس من جهة إبطال الكاذبة. وأما إذا اجتمع فيهما الكذب، فإنه وإن كان إنكاره أيهما شاء رافعا للقياس، فأولى ما ينكره هو الكبرى المشتملة على القول الكلى؛ فإنها إذا دل على كذبها بالضد أبطل القياس، وأبطل أيضًا صدق النتيجة في نفسه، مثل أنه إذا كان قال: كل ح بَ، وكل بَ أ، وكان لا يمكن أن يكون شيء من بَ أ، أ امتنع القياس، وامتنع أيضًا صدق أن كل ح بَ وذلك لأنه إذا كان حَ ب، وكان لاشيء من بَ أ وجب أن يكون لاشيء من حَ أ. فأما إذا منع أن يكون كل حَ ب، وسلم أن كل بَ أ، منع القياس، ولم يمنع أن حَ تكون شيئا آخر غير َأ ل بَ، ويكون كل ذلك الشيء َأ. مع أن بَ َأ فيكون َأ أعم من بَ ومن ذلك الشيء، ويكون هناك قياس آخر. فيكون إنتاج كون كل حَ أ ممكنا، فلا يكون إذن إنكار الصغرى ومقابلته بالضد رافعا للقياس والنتيجة معا.

ومثال ذلك: إن كذب كاذب في أن سقراط جالس، وأن كل جالس يكتب، فمنع أن يكون سقراط جالسا، لم يمنع أن يكون قائما، ويكون كل قائم يكتب، كما يكون كل جالس يكتب. وأما إذا قلنا: لاشيء مما هو جالس يكتب، رفعنا القياس والنتيجة معا. وهكذا يجب أن تفهم هذا الموضع.

وممانعة المجيب إما نحو القول، وإما نحو القائل. والتي نحو القول، فان يناكد فلا يسلم المقدمات بل يأباها إباء لا على سبيل مناكدة ومشاقة للسائل إذا وجده ضعيف الملكة ضيق المجال، ومع ذلك فيعوص عليه ويأتي بمناقضة ومقاومة غير مناسبة ولا حقة، فيضعف السائل عن الإمعان فيما يحاوله، ويتبلد، ويتحير.

وإما نحو القائل؛ فأن يكون مثلا المقدمات صحيحة، وقد يلزم عنها المطلوب، إذا غيرت بع التغيير، أو ألحق بها بعض الإلحاق. لكن السائل يعجز عن ذلك فيقاومه، لا من حيث إنكار المقدمات، بل من حيث يقول إن تأليفك غير منتج، وإن ما تدعيه غير لازم مما تقدمه، فيكون القصور إنما جاء من سوء تأليف السائل للقرائن، وقبح ترتيبه للكلام، وإن كانت قوة كلامه قوة قياسية، وعلى سبيل الأمثلة المذكورة في تحليل القياسات حين بُيّن الفرق بين اللازم مطلقا، وبين اللازم بقياس. وربما كانت هذه الممانعة المتوجهة نحو القائل من سبيل أخرى؛ وذلك أن يطول عليه الزمان بمباحثات يعود فيها كأنه سائل، فيجذبه إلى أمور لا ينتفع بها، ويجد منه انجذابا معه، فيسخره وينسيه مبدأ حركته، ويتشوش عليه الأمر لاختلاط غرضه بما يشغل وقته من أمور خارجة. وهذا خسيس جدا. والمجيب يبكت السائل إما لسوء قوله، وإما لسوء مشاركته إياه لشدة معاسرته في تسليم ما حقه أن يسلم، فإن كان مجاهدا في مجادلته، فعسى أن يكون عذره في ذلك أقرب من القبول. وأما المجادل على سبيل الارتياض، فإنه يعسر بذلك على نفسه، إذ الارتياض معاملة شركية تعود فائدتها على الشريكين معا؛ فأيهما عاسر حرم نفسه جدواه كما يحرم شريكه، ولا يكون السائل حينئذ مستعجزا إن انقطع دون غايته، فإنه قد أسيئت مشاركته، اللهم إلا أن يكون الارتياض هو الارتياض المذكور بل الارتياض لكسب ملكة المجاهدة والمعاندة، فذلك شئ آخر. والمعاسر في هذه المعاملة حقه أن يقابل بمعاسرة مثلها. وكذلك إن كان الغرض فيه المجاهدة، فإن المعاسرة في جدل الجهاد له حد ما إذا تعداه الشريك لم يكن معذورا. فإن ليس له أن ينكر المشهورات الجلية والأمور الواضحة، ويمعن في ارتكاب الشنع. فإذا نعل ذلك فلا لوم على السائل إذا احتال عليه من كل وجه، وقاس عليه من كاذبات، ومن خفيات الشهرة، بعد أن يستدرجه بلطفه، ويجتلبه إلى تسليمها له.

ولا يبعد أن يكون الرضى لنفسه بإنكار المحمولات ممن يعترف بالكذب والخفي ويسلمه، ويقول به فإنه لو كان كل ذلك المميز، وكل ذلك المنصب، لما ارتكب الشنع. فهو إذن يجب لعله يسلم الشنع والخفي الشهرة، فإذا سلم وقيس عليه من هناك، فلم يسئ السائل في القياس عليه مما هو أخفى، أو ما هو كذب؛ بل الذنب ذنبه من جهتين: إحداهما أنه عائد الظاهرات، والثاني أنه سلم ما لا يجب تسليمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت