فصل
وأما التبكيت الداخل في اللفظ فيوقع الغلط بستة أقسام: باشتراك الاسم، والمماراة، (والتركيب( واشتراك القسمة، وبسبب اختلاف العجمة والإعراب، وبسبب اختلاف اللفظ. وجميع ذلك يؤثر في القياس، ويؤثر في الاستقراء، ويُعلم خطؤه أيضًا بالقياس والاستقراء؛ فإنك إذا استقريت الأمثلة تحققت أن هذه هي أسباب الغلط. والقياس يوجب عليك أنه إذا وقع من اشتراك الاسم، أو الاستعجام، أو غير ذلك، وجب أن تختلف نسبة الوسط إلى الطرفين، فلا يكون واحد) ًا ( بعينه، بل تختلف نسبة الطرفين إلى النتيجة فلا يكون الطرفان أو أحدهما في القياس هو بعينه الذي في النتيجة، فيعرض لا محالة أن لا يكون القياس في الحقيقة قياسًا، والقياس يوجب عليك عكس هذا أيضًا، وهو أن أجناس المغالطات اللفظية هي هذه. وسيرد عليك هذا القياس في موضعه من بعد.
ومثال التبكيت المغالطي لاشتراك الاسم، كمن يقول للمتعلم إنه:"يعلم أو لا يعلم؟، فإن لم يعلم فليس بمتعلم، وإن علم فليس يحتاج إلى أن يتعلم". والمغالطة في هذا أن قوله:"يعلم"يعني أنه يحصل له العلم، ويعني به أنه حصل له العلم؛ والذي"يعلم ليس يتعلم"يصدق إذا كان ليس يعلم، يمعنى أنه لا يحصل له العلم، ويكذب إذا كان بمعنى حصل له العلم. وربما كان لفظة:"يتعقل"في لغة العرب دالة على الفكرة والروية، وربما كانت دالة على حصول العقل نفسه.
وكذلك قول القائل:"هل شيء من الشرور بواجب أو ليس بواجب؛ فإن كان واجبًا، وكل واجب خير، فبعض الشرور خير؛ وإن كان ليس بواجب، فلا يوجد ألبتة، فإن ما لا يجب له وجود ولا وقتًا ما فليس بموجود، بل يُخَيّل الموت والهرم وغير ذلك مما هو واجب ضرورة". والمغالطة بسبب أن الواجب وجوده غير الواجب العمل به؛ وإنما يقال لهما واجب باشتراك الاسم. ومفهوم الواجب الأول أن وجوده ضروري، ومفهوم الواجب الآخر أن إيثاره محمود.
وأيضًا قولهم:"لا يخلو إما أن يكون الذي هو قائم هو القاعد بعينه، أو لا يكون؛ فإن كان بعينه، فالشيء هو بعينه قائم وقاعد؛ وإن كان غيره، فليس القائم يقدر على أن يكون قاعدًا". والمغالطة أن قولنا:"القائم"نعني به نفس القائم من حيث هو قائم، ونعني به الموضوع الذي يكون القيام ونتا فيه. فهذه أمثلة ما يقع باشتراك الاسم. فهذا القسم الأول هو الذي بحسب اشتراك لفظ مفرد.
وأما المشاغبة، أعنى المماراة، فأن لا يكون الغلط الاشتراكى واقعًا بحسب شيء من الألفاظ المفردة، ولكن يكون الغلط لاختلاف مفهوم التركيب منها، كمن يقول:"العدو لي يتغصب"، و"المقاوم لي يأخذ". وهذا مثال يحسن في غير لغة العرب، ومعناه: أن هذه اللفظة يفهم منها تارة أنك تتغصب لى لمراغمة العدو، وتارة أنك تتغصب للذي هو عدو لي. وكذلك:"أنت لأجل معاندتي تأخذني، أو تأخذ معاندي".
وأما الأشبه بالغرض من الكلام العربي، فأن يقول قائل:"هل للشيء الذي يعلمه الإنسان، فذلك يعلمه الإنسان، أو ليس كذلك؟ فإن كان الشيء الذي يعلمه الإنسان فذلك يعلمه، والإنسان يعلم الحجر، فالحجر يعلم الحجر؛ وإن لم يكن كذلك، فإذا علم شيئًا فقد علم غيره". أو يقول:"ما يعلمه الإنسان فهو ما يعلمه، ويعلم الحجر فهو حجر"والسبب في هذه المغالطة أن لفظة"ذلك"ولفظة"هو"تارة تشير إلى المعلوم، وتارة إلى الإنسان. وكذلك:"هل ما يبصر الإنسان فإياه يبصر". وكذلك ما قلته:"موجودًا أنت موجود هو، وقلت: إن الحجر موجود، فأنت موجود حجرًا"؛ لأن قولك،"أنت موجود هو"يجوز أن تفهم"أنت"موضوعًا و"موجود هو"محمول عليه؛ ويجوز أن يكون"أنت"هو تأكيد لقوله"قلته"، أو صلة لقوله"قلت"؛ ويجوز أن يقال الغلط في هذا على جهة أخرى: ما قلت إنه موجود أنت ذلك موجود، وقد قلت إن الحجر موجود؛ ويكون هذا فيه أظهر. فهذا ما يقع الغلط فيه بسبب استناد أجزاء التركيب بعضها إلى بعض.
وقد يكون فيه بسبب اختلاف إيهام التقديم والتأخير، فإن القائل إذا قال:"إن العالم شريف"أمكن أن يختلف الاعتبار، فإنه يجوز أن يكون"العالم"أخذه موضوعا، و"الشريف"أخذه محمولًا، ويجوز أن يكون المحمول هو"العالم"؛ لكن آخره كما يقال:"عالم زيد". ومثال ذلك لو قال:"الساكت متكلم"أمكن أن تفهم أن الساكت متكلم، وأن تفهم أن المتكلم ساكت.