وباب الاتفاق في الاسم، وباب المشاغبة، يرجع إلى خصلة واحدة، وهي، أن يكون المفهوم مختلفًا؛ لكن الذي للاتفاق فهو بحسب لفظ لفظ من المفردات، بأن يكون مشتركًا بالحقيقة، أو يكون مشتركًا بالعادة للاستعارة والمجاز. والذي للمشاغبة فبحسب التركيب بين المفردات، كقول القائل:"معرفة الكتابة"فقد تُفْهم به معرفة يكون العارف بها الكتابة، وتفهم به معرفة يكون المعروف بها الكتابة، وتركيبه يوقع كثرة في مفهومه، وكل واحد من لفظي الكتابة والمعرفة ليست مشتركة في هذا الموضع.
وأما الذي بالتركيب، فهو أن يكون للقول عند التركيب حكم، فيطلب أن يصدق ذلك الحكم عند التفصيل، ويكون الغلط في التركيب. ولا سواء أن يقال القول مركبًا فيكون له حكم، وأن يقال مفصلًا؛ مثال ذلك أن يقول القائل:"قد يمكن الجالس أن يمشي، والذي ليس يكتب أن يكتب"، فإنه لما عطف قوله:"الذي ليس يكتب أن يكتب"عطفه على أنه في مثل حكمه من الإمكان الذي فيه ما يستغنى عن تكرير الإمكان مرة أخرى اجتزاء بالعطف، وعلى أن حكمه حكم المعطوف عليه؛ فإن فَصَل هذا كذب أن يقال"الذي ليس يكتب يكتب"، وإنما كان يصدق مركبًا على الإمكان والقوة، فكان معناه:"والذي ليس يكتب هو بالقوة كاتب؛ ويتعلم الكتابة يَعْلَمها ويُعلِّمها". يجب أن تفهم هذا الموضع هكذا، ولا تشتغل باشتراك اسم في حديث أنه"ليس يكتب"، ففصل اشتراك الاسم فصل آخر قد مضى. وكذلك إذا ركب بين قولنا:"ليس يكتب"وقولنا:"يكتب"فإن هذا إن ركب معه"القوة"فقيل:"الذي ليس يكتب بالقوة"كان القول صادقًا، فإن فصل، وحذفت القوة، كذب القول، وصار الذي يتعلم الكتابة الآن هو في نفسه كاتب، فهو يتعلم ما يعلم، كذا يجب أن تفهم هذا الموضع.
وبعد هذا قول يمكن أن يُفهم على أنه بيان كلي، ويمكن أن يفهم على أنه مثال آخر.أما الأول فعلى ما أعبر عنه. ولو كان القول الصادق يجب أن تكون أجزاؤه صادقة هكذا لكان مَنْ يمكنه أن يقول لفظًا مركبًا حقًا واحدًا، لقد كان أتى بأشياء كثيرة حقة، وليس كذلك، بل القائل حقًا واحدًا يجب أن يعتبر حَقّيْه في ذلك الواحد؛ وأما أجزاء الحق فربما كانت باطلة؛ كقول القائل:"لو كانت الخمسة زوجًا، كان زوج لا ينقسم". فإن ذا الواحد حق، وليس يلزم أن يكون جزآه حقّين. وأما الثاني فهو أنه إذا صح أن يصدق القول المركب من"أن يكتب"،"ولا يكتب"مفصولًا عنه القوة، على أن مفصوله صادقٌ صِدق مركبه، أمكن أن تغالط فتجعل من استفاد قوة على أمرٍ ما واحدًا بعينه، فقد اقتدر على أمور كثيرة غيره، إذا كان إدخال القوة وإخراجها واحدًا.
وقد قيل في هذا شيء آخر يوجب أن يكون هذا الباب وباب المراء واحدًا فإن ذلك التفسير يجعل هذا المثال مشتركًا في تركيبه لا مغالطًا بتفصيل التركيب فيه، ولا يجب أن نمنعه البتة. فهذا المثال الذي أورد، وسائر الأمثلة، ليس هو مثال ما يكذب بالتركيب، وهو الغرض، بل مثال أن الشيء قد تختلف حال تركيبه وتفصيله. وأما الأمثلة التي تحتاج إليها لهذا الباب، فهي التي يكون التركيب فيها كاذبًا لا صادقًا. والمعلم الأول عوّل في ذلك على الافهام. على أن هذه الأمثلة قد يمكن أن يُتعسف فيها، وتُناول على وجهٍ يطابق أن يكون الكذب في التركيب، ولكنا نكره مثل هذا التعسف.
وأما المثال الذي يوافق الغرض فقول القائل مُركبًا:"الماشي يمكن أن يجلس حال ما هو ماش"، فإْنً هذا التركيب كاذبٌ، وجزآء ليس فيهما كذب. فإن شاء أحدٌ أن ينظر كيف تفسير هذا على وجهٍ مطابق للخطأ في التركيب، فيلحق بهذا الموضع فصل من موضع آخر.