وبالجملة فإن الأشياء المأخوذة من الكيف والكم والمضاف العارص لشيء واحد لا تتخذ إلا بالعرض، ولا يكون بعضها جزءا إلا من طريق ما هو؛ وكذلك ما يكون من مقولة واحدة، لكن أجناسها الثانية متباينة. ومع ذلك فإن الإضافات إذا حفظت قل وقوع العرض فيما بالعرض، وكذلك الشروط الأخرى التي للنقيض؛ على أن هذا باب برأسه. وقد ذكرت لهذه أمثلة، ونحن نذكر ما هو اولى بأن يلتبس منها من ذلك، ويوقف أيضًا أنها مغالطات برأسها ليست من قبيل اشتراك الاسم، كما ظنه المذكور. ومن تلك الأمثلة مثل قولهم:"إن بعض العلوم علوم للأشرار، وكل ما هو للأشرار فهو شر وردي، لكن كل علم خير، فبعض ما هو خير شر وردي"؛ وذلك لأنه وإن كان علم الأشرار قد استعمل فيه الإضافة الدالة على وجوه مختلفة فإن العلوم ههنا ليست تدل على القنية فقط، ولا الغلط جاء من ذلك بل من جهة أنها ليست للشرير من جهة ما هو شرير. وذلك مثل أن الإنسان إذا قال: إن الإنسان للحيوان، لم تكن لفظة اللام تدل على معان كثيرة بل على أنه نوعه، لأن التقييد أزال اشتراكه. على أن كون الخير للشر قد يحتمل أن يكون على وجوه ليس ككون الإنسان للحيوان؛ ولكن لم يقع الغلط ههنا من ذلك.
ولعل أكثر أصناف هذه المغالطات لا تقع باشتراك الاسم، فإنه إذا قال قائل:"إن الذهب خير، وهو في دماغ فلان، فهو خير فيه"، وإن كان لفظة"في"مشتركة، فإنها في هذا الموضع غير مشتركة، ومع ذلك قد أنتج منه غلط.
ولا يجب أن نتوهم أن يصدق حمل الشيء على شيء ما من وجه، وصدق سلبه عنه من وجه آخر، يجعل لفظه لفظا مشتركا فيه، فإن كل لفظ في الدنيا يدل بالشرط على شيء، وبالإطلاق على شيء، وبشرط ثان على ثالث، ووحده على شيء، ومع غيره على شيء آخر؛ إنما المشترك فيه هو أن يكون بعينه بحال واحدة تكثر دلالته، وإلا فإن قصيدة طويلة تدل على أمر ما، ونصفها يدل لا على ذلك الأمر بل على شيء آخر، ولا تصير مع ذلك مشتركة الدلالة. وبالجملة ليس الشيء على الإطلاق، ومع تقييد بشيء من العوارض التي تعرض في مقولات أخر، واحدًا؛ وبأمثال هذا ما غالطوا فقالوا:"هذا الشيء موجود، وليس فيما هو موجود، فهو موجود غير موجود هو الفرس". وأيضًا ما يقولون:"هل يتكون ويوجد ما ليس بموجود، فيكون هو الشيء الذي ليس بموجود موجودا". وكذلك:"هل الذي هو موجود يبطل كونه ووجوده، فيكون الموجود قد حصل لا موجود، فهو موجود ولا موجود"."وهل أن تحلف حسنا، لكنه على الكذب ليس بحسن"."وهل أن تستحلف حسنا لكنه على الجور ليس بحسن، ثم الحلف مما يستحسن، والاستحلاف مما يستعدل، فهو حسن غير حسن، هذا خلف"وكذلك:"الطاعة حسنة، وهي أيضًا قبيحة"؛ وكل هذا لترك اعتبار الوجوه والشروط، وترك اعتبار الإطلاق والتقييد، فإذا أغنينا عن ذلك لم يعرض لها تبكيت. وأنه فرق بين أن يكون وبين أن يكون شيئًا، وبين الموجود وبين الموجود شيئًا، وبين الحسن بحال والحسن مطلقا، والقبيح بحال والقبيح مطلقا، أي في مثال الحلف والاستحلاف والطاعة. وليس ببعيد أن يختلف الإطلاق والتقييد أو التقييدان المختلفان في الحكم. ومن هذه الأمثلة:"أليست الصحة واليسار خيرا؟ فإذا قيل: بلى، قال: لكنها ليست خيرا للجاهل، فإذن هي خير ليس بخير". وكذلك:"أليس في الذنب خير، وليس للطيرات خير". ومثال يتلو هذا سمج، ويجب أن يفهم على هذه الصورة، مثل أن يقال:"أليس ما لا يؤثره الحكيم فهو شر؟ فنقول: بلى؛ ثم نقول: أليس أحوال الخير خيرا؟ فنقول: بلى؛ فنقول: الحكيم لا يريد إطراح الخير وإبعاده، وطرح الخير ونفيه حال للخير، وما هو حال للخير فهو خير، فالحكيم لا يريد خيرا، وما لا يريده فهو شر، فبعض الخير شر. وحل جميع هذا واضح."
وأيضًا مثال من باب الشر يشبه مثالا تقدم ذكره في باب الخير، وهو أن اللص شرير، فيجب أن يكون ما يأخذه ويطلبه شرا، وهو يطلب الخير، وذلك لأنه ليس لأنه شر يجب أن يكون جميع ما ينسب إليه شرا، بل قد يعرض أن يكون ما ينسب إليه الشر خيرا، كما أن المرض شر، وليس كل ما ينسب إليه شرا، فإن الإقبال منه ليس بشر.