فهرس الكتاب

الصفحة 677 من 781

ومن المغالطات في هذا الباب إذا تسلم أنه لما كان العادل آثر من الجائر وجب أن يكون ما هو على جهة العدل آثر من الذي على جهة الجور، فيكون القتل على جهة العدل آثر من القل من جهة الجور؛ وليس كذلك، فإن المغالطة في هذا أن لا تخفظ أنه يكون ما هو على جهة العدل آثر للعادل أو المعدول به، وكذلك ما هو على جهة الجور آثر للجائر وللمجور عليه.

ومثال آخر يجب أن يفهم هكذا: أنه"هل للعادل أن يأخذ كل شيء له من حيث كان"فإن قال: نعم، قال: فإن كان رهنا أخرجه من يده، أو ملكا جعله سكنى لغيره"وأيضًا:"هل يلزم القاضي إلا الاجتهاد، فالاجتهاد صواب، والسنة صواب؛ وإن خالف كان صواب يخالف صوابًا، وعدل يخالف عدلا، فيكون عدلا لا عدلا". وأيضًا:"هل يجب أن يعاقب من يقول العادلات، أو من يقول الجائرات؟ فيقال: من يقول الجائرات؛ والعادل الذي يقول الجائرات التي جرت عليه، يجب أن يعاقب"."

وجميع هذه الأمثلة من اختلاف دلالة ما يقال على الإطلاق وعلى التقييد، مثل أن إصرار كل ما يجري على طريق العدل يؤثر من غير أن يقال لمن. وكذلك أن يقال: كل شيء لمالكه أن يأخذه، ولا يبين بشرط أنه ما لم يؤجره يخرجه أو يرهنه عن نفسه بحق لغيره، ولا يبين أن الاجتهاد مرجوع إليه ما لم يخالف النص، وأن لا يبين قول الجائرات التي يحكيها أو قول الجائرات التي يجور بها على غيره. وليس الإخبار عن الجور جورا، كما ليس الإخبار عن العدل عدلا، وعن النافعات نفعا. وفرق بين جور يحكى وبين جور يعمل على الإطلاق.

وأما ما يقع من جهة التكبيت فعليك أن تعتبر صورة القياس هل هي منتجة أولا، وتنظر في الحدود هل الوسط واحد بعينه من كل جهة، وهل كل طرف هو في القياس وفي النتيجة واحد بعينه في كل جهة من شرائط النقيض؛ وتجتهد في التسليمات أن تراعى في أول ما تسأل هل تسلم شيئًا مرتين بحالين مختلفين أو شيئًا يشارك النتيجة بحال دون حال. ومما يبرأ عنه أن يراعى في المحمولات شروط النقيض، وإذا قيل له مثلا:"هل كذا ضعف أو ليس بضعف"، أجاب مع استظهار فقال: ضعف كذا دون كذا. وكذلك يراعى الوقت والجهة في كل شيء بحسبه، مثل استظهاره في جواب من يسأل:"أليس من يعرف الأمر يعرف كما هو؟ وكذلك الذي يجهل الأمر، ثم أنت تعرف زيدا ولا تعرف أنه موسيقار، فتعرفه ولا تعرفه"؛ وهذا لأنه يشرط أنه يعرفه من جهة واحدة وعلى الإطلاق أو من كل جهة. وكذلك إذا قال:"أليس ما هو ثلاثة أذرع أكثر مما هو ذو ذراعين؛ لكن هذا ذو الذراعين أكثر عرضا، فهو أكثر وليس أكثر". فإذا تحفظ المجيب وقال: هو أكثر طولا، لم يلزمه هذا التبكيت.

واما المصادرة على المطلوب الأول، فإن عرف المجيب أنه مصادرة لم يسلم ولم تلزم الشنعة، وإن كانت الشهرة توجب تسليما، ولم يحتشم قائل: إني بعد أن خالفت الشهرة في الوضع الذي أنصره، فكذلك أخالفه فيما هو هو أو على حكمه، فإن سها ولم ينتبه ودلس عليه فسلم المصادرة، فإن انتبه تدارك وقال: هب أنى سلمت، فليس لك قياس، لأن هذا التسليم رجوع مني عن وضعى، ومساعدة لك، وأما أنت فلم تعمل شيئًا ولم تفهم تبكيتا؛ وكيف يكون وأنت استعملت نفس نقيض وضعي في إبانته، والمقدمة عين النتيجة.

وأما وضع ما ليس بعلة علة فلتراع أنه يلزم ما يلزم مع دفع ما تسلمه، فإن كان قيل إنه سواء سلم ذلك أو لم يكن، فالشنع لازم، وليس يفيده.

وأما اعتبارات اللازم المحمول واللازم التالي فيجب أن لا تغلط فتجعل الملزوم لازما، واللازم ملزوما، فيحنئذ لا يمكن أن يقع لنا غلط حين لانتوهم الانعكاس. وهذا الباب على صنفين: إما على سبيل الاستقامة، وإما على سبيل عكس النقيض ومقابلة الوضع؛ فإنه تارة إذا قيل: كل حريف حار، ظن أنه يصح معه أن كل حار حريف، وقع منه التضليل؛ وتارة إذا قيل: كل متكون له مبدأ، يظن أن ما ليس بمتكون ليس له مبدأ، ويعرض ما عرض لماليسوس حين يحكم من هذا أن جرم العالم غير متكون، فهو غير متناه. وذلك الغلط، بل اللزوم - كما علمت - بالعكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت