قالوا أيضا: إن المضاف ليس يوجد إلا في موضوعين، فليس موجودا في شىء، ولكن في شيئين. وقالوا أيضا: إن التسلح معنى لا في موضوع، إذ هو في موضوعين، لأن موضوعه السلاح واللابس؛ فنقول: أما المضاف فليس على ما خمنوا فيه. أما أولا فلأن كون الشىء في شيئين قد لا يمنع كونه في كل واحد منهما؛ وإذا كان لا يمنع كونه في كل واحد منهما، فليس كونه في شيئين رافعا كونه في شىء؛ فإنه لم يقل: في شىء واحد فقط؛ كما أن كون الأب أبا لابنين لا يمنع كونه أبا لابن واحد؛ وكون الحيوان مقولا على أشياء لا يمنع كونه مقولا على كل واحد. نعم في بعض الأشياء قد يكون الوجود في الكثرة بحيث يمتنع أن يكون في الواحد مع تلك الكثرة؛ فهنالك لا يكون الموجود في أشياء موجودًا في شىء واحد.
والفرق بين الموجود في موضوع من جهة أنه موجود في شىء وبين كون الكل في الأجزاء أن الكل يكون في أشياء ولا يكون في شىء واحد منها البتة. وأما الموجود في موضوع فليس يبعد أن يكون موجودا في موضوعات؛ ولكنه يكون مع ذلك في موضوع موضوع منها؛ ولا تمانع بين الحالين. فهذا إن كان ما ذهبوا إليه، من أمر وجود إضافة واحدة بالعدد مشتركة بين متضايفين اثنين بالعدد، مذهبا صحيحا. وأما الحق فسينكشف عن خلاف ذلك، وسنبين كيفيته في مواضع نتكلم فيها في المضاف.
وأما التسلح وما تعلقوا به فيه فالجواب عنه أن التسلح نسبة وحالة للابس عند السلاح يوصف بها المتسلح، فيقال إنه متسلح بتسلح هو وصف له؛ وإن كان بالنسبة إلى غيره. فالتسلح، وإن كان بالنسبة إلى الغير، فليس يجب أن يكون في ذلك الغير. ففرق بين الوجود في الشىء وبين النسبة إلى الشىء. فلا معونة لمثل هذه الهذيانات في أن يقال إن العرض ليس بجنس، وإن كان الحق هو أن العرض ليس بجنس.
لكنهم قالوا شىئا آخر وهو أن العرض لا يدل على طبيعة البياض والسواد وعلى طبائع سائر الأعراض؛ بل على أن له نسبة إلى ما هو فيه وعلى أن ذاته تقتضى هذه النسبة؛ والجنس يدل على طبيعة الأشياء وماهيتها في أنفسها، لا ما يلحق ماهياتها من النسبة. وهذا قول سديد. والدليل على ذلك أن لفظة العرضية إما أن تدل على أن الشىء موجود في موضوع، فتكون دلالته على هذه النسبة؛ أو تدل على أنه في ذاته بحيث لا بد له من موضوع؛ فهذا أيضا معنى عرضى؛ وذلك لأن نسبة هذا المعنى إلى أكثر الأعراض مثل الكيفية والكمية والوضع أمر غير مقِّومٍ لماهياتها، لأن ماهياتها تتمثل مدركة مفهومة. إليه إلا بمقارنة أمر يجعله مشارًا إليه؛ وكذلك في العقل لا يكون كذلك إلا بأن يُلِحق به العقلُ معنى يخصصه، ثم لا يعرض له من الخارج أن يكون عاما حتى يكون ذات واحدة بالحقيقة هى حيوان، وقد عرض له في الأعيان الخارجة أَنْ كان هو بعينه موجودًا في كثيرين؛ وأما في الذهن فقد يعرض لهذه الصورة الحيوانية المعقولة أَنْ تجعل لها نسب إلى أمور كثيرة، فيكون ذلك الواحد بعينه صحيح النسبة إلى عِدَّةٍ تتشاكل كل فيه، بأن يحمله العقل على واحدٍ واحدٍ منها - فأمّا كيف ذلك فلصناعةٍ أخرى - فيكون هذا العارض هو العموم الذى يعرض للحيوانية، فيكون الحيوان لهذا العموم كالخشب مثلا لعارض يعرض له من شكل أو غيره، وكالثوب الأبيض، فيكون الثوب في نفسه معنى، والأبيض معنى، ويتركبان فيكون هناك معنى آخر مركبا منهما؛ كذلك الحيوان هو في العقل معنى، وأنه عام أو جنس معنى، وأنه حيوان جِنْسىُّ معنى. فيُسَمون معنى الجنس جنسا منطقيا، ومفهومه أنه المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، من غير أن يشار إلى شىء هو حيوان أو غير ذلك، مثل أن الأبيض في نفسه له معقول لا يحتاج معه أن يعقل أنه ثوب وأنه خشب، فإذا عُقل معه ذلك عُقل شىءٌ يلحقه الأبيض؛ وكذلك الواحد في نفسه له معقول، فأَمَّ أنه إنسان أو شجرة فهو أمر خارج عن معقوله يلحقه أنه واحد. فالجنس المنطقى هو هذا.