وأما الطبيعى فهو الحيوان بما هو حيوان، الذى يصلح أن يجعل للمعقول منه النسبة التى للجنسية، فإنه إذا حصل في الذهن معقولا، صَلُح أن تعقل له الجنسية، ولا يصلح لما يفرض مُتَصَوَّرا من زيد هذا، ولا للمتصور من إنسان، فتكون طبيعة الحيوانية الموجودة في الأعيان تفارق بهذا العارض طبيعةَ الأنسانية وطبيعةَ زيد؛ إذْ هو بحيث إذا تُصُوِّر صلح أن يلحقه عمومٌ بهذه الصفة، التى هى الجنسية؛ وليس له خارجا إلا الصلوح لها بحال. فقولهم: الجنس الطبيعى، يعنون به الشىء الطبيعى الذى يصلح أن يصير في الذهن جنسا، وليس هو في الطبيعيات بجنس؛ ولأنه يخالف في الوجود غيرَه من الأمور الطبيعية بهذا المعنى، فلا يبعد أن يخصص لهذا المعنى باسم، وأن يُجعل ذلك للاسم من اسم الشىء الذى يعرض له بحال وهو الجنسية. وأما الحيوان الجنسى في العقل، فهو المعقول من جنس طبيعى؛ وأما الجنسية المعقولة المجردة، فمن حيث هى مقررة في العقل، هى أيضا جنس معقول، ولكن من حيث إنها شىء من الأشياء يبحث عنه المنطقى، فهو جنس منطقى؛ وليس؛ وإِنْ لم يكن لهذا الذى هو منطقى وجودٌ إلا في العقل، يجب أَنْ يكون المفهوم من أنه عقلى هو المفهومُ من أنه منطقى؛ وذلك أنَّ المعنى الذى يُفْهم من أنه عقلى، هو غير المفهوم من أنه منطقى؛ وذلك أَنَّ المعنى المفهومَ الذى يفهم من أنه عقلى لازمٌ ومقارنٌ للمعنى الذى يفهم من أنه منطقى ليس هو هو، إذْ قد بان لك اختلافُ اعتباريهما. فالجنس المنطقى تحته شيئان: أحدهما أنواعه من حيث هو جنس، والآخر أنواع موضوعاته التى يعرض لها؛ أما أنواعه، فلأن الجنس المطلق أعمُّ من جنسٍ عال وجنس سافل، فهو يعطى كلَّ واحد مما تحته من الأجناس المتقررة حدَّه واسمه؛ إذْ يقال لكل واحد منهما إنه جنس، ويُحدِّ بحدِّ الجنس؛ وأما أنواع موضوعاته فلا يعطيها اسمه ولا حدَّه؛ كذلك ليس كونه في مكان؛ الذى هو نسبة طرف واحد؛ هو نفس كون ماهيته مقولة بالقياس إلى غيره؛ بل هو موضوع لذلك من حيث تصير النسبة شاملة للطرفين، للحاوى والمحوى. وهذا إنما يتضح لك في باب المضاف حقيقة الاتضاح؛ وأما ههنا فهو شىء كالتنبيه غير محصَّل.
وأما قول القائل: والأطراف التى تأخذ من الكيفية شيئا، فيشبه أن يكون يعنى بهذا مقولة يفعل وينفعل، فتكون الكيفية هى الأمر الذى يسوق إليه الفعل والانفعال، ويكون الطرفان النسبتين اللتين للفاعل والمنفعل إليهما. ويشبه أيضا أن يكون يعنى مع هذين الوضع أيضا، وذلك بسبب أن الوضع يلزمه الشكل أو يلزم الشكل.
وأنت تعلم أن هذا الكلام متشوش جدا؛ فإن لفظة الأطراف لا تدل في هذا الموضع على معنى محصل. والأخذ من الكيفية شىئا هو لفظ متشابه لا تجد تحته معنى متواطئا فيه؛ ولا أيضا يدل بالتشكيك؛ وإن كان يخيل شيئا؛ فإن من أفضل أحوال المعانى النسبية التى لا تتفق في النوع، إذا وقع عليها اسم أن يكون على سبيل التشكيك، فقلما يوجد فيها تواطؤ صرف، وخصوصا في مثل هذا الموضع؛ إذ الأخذ ليس له مفهوم محصل، ولا الأطراف.
ولو أن قائلا أصلح هذا اللفظ فقال: والأمور التى لها إلى الكيفية نسبة ما، كانت هذه الأمور جواهر وكمياتٍ عرض لهما نسبة إلى الكيفيات؛ فتكون الجواهر والكميات تدخلان في مقولةٍ غير مقولتهما بسببٍ عارض يعرض لهما فيكون دخولهما في تلك المقولة بالعرض. وما دخل في مقولة بالعرض فليست المقولة جنسا له ولا هو نوع من المقولة. وإنما يأخذ المقولات في هذا الموضع على أنها أجناس؛ وإنما يبحث عن دخول الأشياء فيها على أنها أنواع لها؛ وأما على سبيل غير ذلك فلا يمنع أن تدخل بعض أنواع مقولة في مقولة أخرى. فإن لم يعنِ هذا وعِنى نسبة الجوهر والكمية أو شىء آخر، إن كان إلى الكيفية لا إلى ذات الجوهر والكمية، فليست الكيفية أولى بهذا التخصيص من الكمية. على أن لمطالبٍ أن يطالب فيقول: ولم تجعل للنسبة إلى الكميات أيضا مقولة ؟ ويلزم حينئذٍ أن تجعل النسبة إلى كل مقولة مقولة، فتتضاعف المقولات بل لا تتناهى؛ فإنه قد يمكن أن يفرض إلى المقولة، التى هى نسبة، نسبة.