فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 781

وإن قوما آخرين قالوا: إن الانفعال هى الكيفية لا غير؛ فليس التسخن غير السخونة.وما قالوه باطل؛ فإن التسخن هو سلوك إلى السخونة، فإن كان المتسخن له في كل آنٍ سخونة، فليس تسخنه تلك السخونة، بل تسخنه إنما هو بالقياس إلى سخونةٍ مطلوبة. وبالجملة فإن التسخن هيئةٍ غير قارة والسخونة هيئة قارة.ولو كان التسخن هو السخونة، لكان التكيف المطلق هو الكيفية؛ فكان طلب الكيفية كيفية؛ فكان الطالب طالبا لما هو موجودَ له. كل هذا باطل فاسد؛ وسيتضح لك في العلم الطبيعى. فإن كان التكيف ليس كيفية، فبالحرى أن لايكون التكييف كيفية. والتكييف هو الفعل؛ فبالحرى أن لايكون الفعل كيفية. ولو كان التسخين سخونة لكان كل ما يسخِّن يتسخَّن وكان كل مايحرِّك يتحرك، وستعلم أن هذا غير واجب. واعتبر ذلك بالعِشق؛ فإنه، كما تعلم من أمره، يحرك وليست فيه حركة.

وقد قال قوم: إن مقولة أن يفعل وأن ينفعل تجتمعان في جنسٍ واحد هو الحركة. وستعلم في العلوم الطبيعية أن الحركة غير موصوف بها الفاعل وأنها ليست بفعل. ولو قالوا: أن ينفعل هى جملة الحركة أو حركة، وأن يفعل هى جملة التحريك أو تحريك، لكان أقرب من أن يصغى إليهم.

فصل (د)

أو خارجة عن العشرة وتتميم القول في ذلك وههنا شكوك في أمورٍ يدعى أنها توجد خارج هذه العشرة لاتدخل فيها، وأن منها أمورا هى أعم من عدةٍ منها: مثل الحركة فإنها تتناول الكيف والكم والأين بنحو ما؛ ومنها أمور مباينة لها: كالوحدة، التى هى مبدأ العدد؛ والنقطة، التى هىمبدأ بوجهٍ للمقادير؛ وأيضا مثل الهيولى والصورة؛ وأيضا مثل الأعدام: كالعمى والجهل، وما أشبه ذلك، ومنهم من أورد لهذا الباب أمثلة جزئية كالشمال والجنوب، والغداء والعشاء.

فنقول: أما الحركة فإنها، إن كانت هى مقولة أن ينفعل، فما زادت جنسا؛ وإن لم تكن مقولة ينفعل، فإنها لايجب أن تكون جنسا، بل يجب أن تكون مقولة على أصنافها بالتشكيك، وأن يكون ذلك هو المانع من أن تجعل الحركة هى نفس مقولة أن ينفعل، إن امتنع؛ وإلا إن لم يكن هناك مانع من هذا القبيل، فمقولة ينفعل هى بعينها الحركة. وسيرد الكلام عليه في موضعه.

فهذا ما يقضى به في أمر الحركة. فأما هذه الأخرى فنقول فيها قولا كليا؛ ثم نورد مايقال فيها في المشهور؛ ثم نقول فيها الحق فنقول: إنه ليس كل وجود أشياء لاتدخل في المقولات ضارًا في أن المقولات عشر، بل نحو واحد منها وهو أن تكون أشياء لاتدخل في إحدى المقولات العشر ولها أجناس أخرى هى أنواع تحتها. وإذ ليس يجب في بادئ النظر أن يكون لكل ذاتٍ موجودة مشارك في الحد هو آخر غيرهُ موجودًا حتى تكون تلك الذات موجودةً، فليس يجب أن يكون لكل شئ نوع مقول على كثيرين بالفعل. ولو كان أيضا لكل شئ نوع مقول على كثيرين بالعدد، لم يجب أن يكون مع ذلك النوع نوع آخر مشارك له في ماهيةٍ مشتركة، حتى يكون هناك جنس، فلا يمتنع أن تكون أمور مفردة لامشارك لها في نوعها، وأنواع إنما هى أنواع بالقياس إلى ماتحتها، ولا قياس لها إلى مافوقها حتى تكون هى أنواع أجناسٍ فوقها. وإذ كان العقل الأول لايمنع هذا فليس مستحيلا ظاهر الاستحالة بنفسه. وإذ ليس كذلك، فإن كانت أشخاص مفردة لا أنواع لها البتة، ولا أجناس على الشرط المذكور، وأنواعٌ لا أجناس لها، لم يكن شئ من ذلك داخلا في مقولة، وكان مع ذلك حقًا ما قيل من أن المقولات هى هذه العشرة؛ إذ الخارج عنها ليس بمقولةٍ في نفسه ولا في مقولة غيرها. ومثال هذا أنه لو قال قائل: إنه لا بلاد إلا عشرة بلاد فوجد قومًا بداة لايتمدنون، لم يصر وقوعهم خارجا عن هذه البلاد سببا في أن لاتكون هذه البلاد عشرةً. فلو سلمنا أن جميع ما أوردوا خارج عن المقولات، لم يكن ذلك موجبا أن لاتكون المقولات عشرا فقط، إلا أن يصح أن لتلك الأشياء أجناسًا خارج العشرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت