فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 781

قد علمت أن استعمال الضمائر المحرفة التي ليست حقيقية قد يكون خطابيا؛ فمنها ما تحريفه بسبب اللفظ، كالذي يكون فيه لفظ مشترك، وما يجري مجراه؛ ومنها ما تحريفه بسبب الشكل، وهو أن لا يكون القول يلزم منه الأمر بحال، ولا لزوما مظنونا؛ لكن القائل يتجلد، وينتقل عن القول إلى النتيجة كأنه أنتجها، فيروجها. وهذا الترويج يكون بسبب في هيئة القول ولفظه، متعلق باللفظ وحده أو متعلق بالمعنى مع اللفظ، تتروج له المقدمة على أنه بدلها. فمن ذلك ما يكون باشتراك الأسم الصرف، كم يثني على الكلب ويمدحه، فيقول: ألا ترى الكلب الذي في السماء يبذ سائر الكواكب نورًا؟ ومن ذلك ما يكون بسبب التركيب والتفصيل، على ما علمت في الفن الذي قبل هذا، كمن يقول: فلان يعرف الحروف والهجاء، فيعرف إذًا الشعر. وكقولهم: كيف يكون فلان قد صح، وقد نكس إلى مرضه؟ وكيف يكون عن شرير خير؟ وقد يقال هذا على جهة التوبيخ، ويقال على جهة التثبيت. ومن ذلك أن يترك الأمر، وينتقل إلى غيره، مثل المنكر أنه فعل شيئًا أتهم به، إذا لم تكن عنده حجة يبين بها أنه لم يفعله، فإنه يأخذ في تقبيح من يفعل ذلك، وتعظيم صنيعه؛ أو الشاكي، إذا تهيأ بهيئة مخرج مغضب، أوهم أن ذلك قد فعل به. وهذا نوع من الاحتجاج المظنون. لأن الحاكم إذا كان كون الأمر ولا كونه مشكلًا لديه، لا يتضح له، فعومل ما ذكرناه، اشتغل عن استثبات الحال فيه، وانتقل إلى اعتبار ما يخاطب به، أو يتراءى به لديه، فلم يلبث أن يصدق. فهكذا يجب أن يفهم هذا الموضع.

ونحو آخر أن يأتي باللاحق. فإن هذا بالحقيقة مظنون، لأنه من الموجبتين في الشكل الثاني.

ومن ههنا نعلم أن المعلم الأول لما ذكر في كلامه المائل المنحرف، وأنه تفكير حقيقي، لم يعن به أن المائل من جهة وضع حدوده، والمنحرف عن الشكل المنتج في نفسه، تفكير حقيقي. فإنه ليس يراه تفكيرًا حقيقيًا، بل تفكيرًا مظنونًا. وإنه إنما عنى بالمائل ما حرف عن الجهة القياسية. وذلك لأن كثيرًا من المقدمات يستعملفي الخطابة، لا على أنها مقدمات، بل على أنه مسائل، أو تعجبات، أو أوامر.

ومن ذلك أن يسلك طريق ما بالعرض، كم يقول: إن من الاستظهار أن يكون مع الإنسان حيث يكون درهمان، فإن يزدجرد، إنما هلك، لفقده الدرهمين. ومن ذلك قوله: ينبغي أن يفهم على ما أعبر عنه. وهو موضع مبني على اعتبار المعادلة، أو اعتبار المباينة، وأن يجعل للشيء حكم شيء، لأنه نظيره، كمن يجعل التخلي دليلًا على العز، إذ كان تخلي الاسكندر إنما هو لعزه؛ ويجعل السرى بالليل دليلًا على الزنا، لأن الزناة كذلك يفعلون. وكذلك أيضًا، لما كان المساكين الذين لا مأوى لهم وإنما يسكنون الرباطات، قومًا يأكلون بلا حشمة ويرقصون؛ والهراب الشاردون أيضًا ينزلون حيث شاءوا، ويفعلون ذلك؛ ثم الأكل والرقص والنزول حيث شاء الإنسان قد يكون كثيرًا للمثرين المتنعمين؛ فيقال من ذها: إن المساكين والهراب مثرون متنعمون. وهذا أيضًا من جملة اللواحق. وأما الأمثلة لهذا من المباينة، كما يقال: لست بقارون، فما لك والاسراف؟ وهذه أيضًا ضمائر مظنونة. وعندي أنها قريبة من باب اللواحق، أو جزئية اللاحق، وأنه تأخر عنه لغلط من النساخ. ومن ذلك أخذ ما ليس بعلة علة، كمن يقول: لولا ورود فلان المشئوم، لما ما فلان. ومن ذلك اطراح الشرائط من الأين والكيف وغير ذلك، وأخذ ما ليس بمرسل مسلًا. فإن الجدلى يأخذ الشرط ويورده ويوجده، والسوفسيطي يلغيه ويعدمه. وهكذا فافهم هذا الموضع.

وإذا كانت السوفسطية مظنونة مقبولة فهي خطابية؛ فلا بأس في الريطورية أن يستعمل من الضمير المظنون ما أشرنا إليه، فيؤخذ ما ليس محمولًا بالإيجاب على الإطلاق محمولًا بالإيجاب على الإطلاق. فما كان من أصناف هذه التفكيرات ما يتروج ويظن في مذهب الخطباء حجة، فهو غير بعيد من الخطابة.

وأما ما كان لا يقع به الن، ولا يقبله الجمهور، ويفطنون لتحريفه، فإن استعمالها مغالطة في الخطابة، كمن يقول: إن زيدًا الجاني، عندما هو مريض، قد كان صادقًا عليه أنه غير واجب أن يعاقب، فيجب أن لا يعاقب أبدًا؛ أو يقول: إن هذا السكران إن لم يجلد في سكره وجنايته، فكيف يجلد وهو صاح، وقد فارقته الجناية؟ فإن أمثال هذه يظهر عند الجمهور ما فيها من التحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت