فهرس الكتاب
وإما نحو يتبع هذا، وهو في الاشتغال بالمعروف، والقريب من المعروف فهو كالمكرر. وموضع من التوبيخ أورد غير مناسب لما يحكيه: وهو أن يأتي بما هو معلوم من مساوئ الخصم، وإن كانت خارجة عن المسئلة؛ ومساوئه هي الأمور القبيحة المنسوبة إليه، أو من الأمور القبيحة التي هو مؤثر لها، إما من الأحوال المنسوبة إلى الدهر والزمان وهي الجدية، أو من الأفعال الاختيارية أو الأقوال الاختيارية؛ أو يأتي بما هو معلوم من فضائل نفسه، وإن كانت خارجة عن المسئلة. ونحو بإزاء توبيخ الموبخ، بأن يقول: إن كذا لو كان قبيحا، لما فعله فلان، أو لما فعل شبيهه فلان، أو إنه إنما فعل فلان، لا أنا، أو إنما كان لكذا لا لكذا، ليحسنه على الجملة. وربما كانت المصادرة على المطلوب الأول مقنعة، ويكون التكرير الذي فيه موقعا لتصديق الأمر بعد تكذيبه، كقول القائل: لم زعمت أن فلانا شق العصا، فيقول: لأنه شق العصا. وكذلك ما يجري مجرى المصادرة، مما قيل في الجدل، وذلك مثل أن يقول: فلان لا يفعل كذا، لأنه لا مأمون أن يفعل كذا، فإنه في قوة المصادرة؛ وإنما فعل كذا مناكدة لفلان، لأنه أراد مغالطته. ومن الإنحاء في التوبيخ: إنك لم فعلت هذا، وقد كان الأحسن والأولى بك ممكنا؟ وهذا في قوة قياس على إنتاج القبح. وأيضًا أن يقول: لو كان ما يقوله صوابا، لفعلته. وقد يصلح للتثبيت أنه لما قال شيئًا، وفعله بنفسه، فقد كان عنده صوابًا. أو يقول الموبخ: لو كان ما يقوله صوابا عنده، لفعله بنفسه. ويعارض هذا بأنه يجوز أن يكون لما فعل ما فعله، أو لم يفعل ما لم يفعله، كان ذلك عنده أنه صواب. وأما حين يشير بما يشير به، فلا يؤمن أن يكون قد بدا له في استصابته. فهذا النوع يعارض بهذا. وأيضًا قد يعارض قول من قال: قلت ولم تفعل - وهو موضع يصلح للاستغشاش - بأنه ليس كل من يشير بصواب يجب أن يعمله. فما كل صواب يعتقد، يعمل به المعتقد. فهو موضع يصلح لإزالة التهمة عند الاستغشاش. ويعارض من قال: إنه لما قال وفعل، فهو صواب، بأنه ربما فعل على غير الوجه الذي قد أشار. ويصلح للتغشيش أيضًا. ونحو آخر من التوبيخ مأخوذ من الضدين: إنه إن كان يفعل كذا، لأجل كذا، فلم يفعل الذي يخالفه، والذي يضاده؟ وإن كنت لا تفعل كذا، فلم تفعل كذا؟ وبالجملة: فإن فعلك يلزم منه ضد فعلك. كما قال قائل لقوم يذبحون عن ميت أنه لحق السعادة، وصار إلى جوار الله، وهم مع ذلك يبكون عليه: إنكم بئس ما تفعلون. إن كان المتوفي عندكم لاحقا بدرجة السعداء، فلم تبكون عليه؟ وإن كان لاحقا بدرجة الأشقياء، فلم ذبحون عنه وتقربون؟ ونحو آخر يجب أن يفهم أنه يتمكن به المتكلم من التوبيخ لما يعرض لخصمه من الخطأ في الاحتجاج. وذلك يعرض كثيرا. فتكون الحجة التي يحتج بها الخصم توكد عليه الإلزام. مثل المرأة المتهمة بإسقاط ولدها، وقتله. فإنها لما قيل لها: لم فعلت؟ فحاولت أن تدرأ عن نفسها التهمة، قالت: ما قتلت ولدي، ولا فلانا زوجي. فصار قولها هذا حجة للخصم يوبخ بها ويقول: إن هذه قد جعلت حكم زوجها حكم ولدها، فهي قاتلتهما جميعا. ونحو آخر يتعلق فيه باشتقاق الاسم، وبالاستعارة، وبما هو منقول إليه، كمن يقول: إنك والله جواد، كما سميت. وفلان ظالم، كما سمى. وكما قال واحد لثراسوماخس الجدلي: إنك والله لثراسوماخس، كما سميت، أي صخاب ومشغب. وكما يقال: إن شريعة موسى كموسى، أي حلاقة صعبة. وكما يقال: إن ماة محمد لمحمدة. والتوبيخ أنجع من التثبيت، لأنه يضع الضدين نصب العين. والعبارة عن التوبيخ فإنها تجري على إيجاز، كما يقال: لو فعلت كذا، أو كان كذا؛ فيكون مبدؤه ينبه لآخره عن قرب. والموبخ يؤلم، ويؤثر أثرا يستشعر فاعله معه فضل تشف، وخصوصا إذا كان هيئة ابتدائه تنبه على آخرته. فإن سرعة التفهيم مفرح، كما أن سرعة التفهم مفرح.
فصل