فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 781

قد قيل في التصديقات، وفي الأنواع كلها، وبقي أن نتكلم في التوابع والترتيبات والتحسينات. وهذه بعضها متعلق باللفظ، وبعضها متعلق بالترتيب، وبعضها متعلق بهيئات المتكلمين وهي أمور خارجة عن اللفظ وعن المعنى. فمنها ما يتعلق بهيئة اللفظ ونغمته. ومنها ما يتعلق بهيئة القائل، فيخيل معاني، أو يخيل أخلاقا واستعدادات نحو أفعال أو نحو انفعال. وهذا هو الشيء الذي يسمى الأخذ بالوجوه، ويسمى نفاقا. وهذا كما أنه يصلح للشعر من جهة ما فيه من التخييل، فقد يصلح أيضا للخطابة. فإن التخييل قد يعين على الإقناع والتصديق. ومنها الصنف المستعمل في النغم، مثل تثقيلها وتحديدها وتوسيطها وإجهارها والمخافتة بها أو توسيطها. فإن للنغم مناسبة ما مع الانفعالات والأخلاق. فإن الغضب تنبعث منه نغمة بحال، والخوف تنبعث منه نغمة بحال أخرى، وانفعال ثالث تنبعث منه نغمة بحال ثالثة. فيشبه أن يكون الثقل والجهر يتبع الفخامة، والحاد المخافت فئة تتبع ضعف النفس. وجميع هذا يستعمل عند المخاطب، إما لأن يتصور الإنسان بخلق تلك النغمة أو بانفعالها عندما يتكلم، وإما لأن يتشبه نفس السامع بما يناسب تلك النغمة قساوة وغضبا، أو رقة وحلما.

ومن أحوال النغم: النبرات، وهي هيئات في النغم مدية، غير حرفية، يبتدئ بها تارة، وتخلل الكلام تارة، وتعقب النهاية تارة، وربما تكثر في الكلام، وربما تقلل. ويكون فيها إشارات نحو الأغراض. وربما كانت مطلقة للإشباع، ولتعريف القطع، ولإمهال السامع ليتصور، ولتفخيم الكلام. وربما أعطيت هذه النبرات بالحدة والثقل هيئات تصير بها دالة على أحوال أخرى من أحوال القائل أنه متحير أو غضبان، أو تصير به مستدرجة للمقول معه بتهديد أو تضرع أو غير ذلك. وربما صارت المعاني مختلفة باختلافها، مثل أن النبرة قد تجعل الخبر استفهاما، والاستفهام تعجبا، وغير ذلك. وقد تورد للدلالة على الأوزان والمعادلة؛ وعلى أن هذا الشرط، وهذا جزاء؛ وهذا محمول، وهذا موضع.

واعلم أن اختلاف النغم عند محاكاو المحاكي إنما يكون من وجوه ثلثة: الحدة، والثقل، والنبرات. والمنازعون من الخطباء يكتسبون هذه الملكة من مراعاة المنازعين من الشعراء، فما كان أعمل في أغراضهم، نقلوه إلى صناعتهم، وكذلك قد يأخذونها من هيئات السواس حين يسوسون المدن. لكن هذه الأشياء لم تكن دونت إلى زمان المعلم الأول؛ بل الأوجب منها، وهو القول في اللفظ، لم يكن قد دون البتة. وهذه الأشياء كلها توزينات للقول ليستقر في الأنفس استقرارا أكثر، وهي لأجل قذف الظن في النفس. وأما بالحقيقة فهي خارجة عن صرف العدل ومره؛ لأن صرف العدل هو الاقتصار على الكلام؛ وأما هذه فهي حيل، ولكنها حيل نافعة.

واعلم أن الاشتغال بتحسين الألفاظ في صناعة الخطابة والشعر أمر عظيم الجدوى. وأما التعاليم فإن اعتبار الألفاظ فيها أمر يسير، ويكفي فيها أن تكون مفهومة، غير مشتركة، ولا مستعارة، وأن تطابق بها المعاني. ولا يختلف التصديق في التعليم بأي عبارة كانت إذا عبرت عن المعنى. وأما الإقناع في الخطابة والتخييل في الشعر فيختلف في المعنى الواحد بعينه بحسب الألفاظ التي تكسوه. فينبغي أن يجتهد حتى يعبر عنها بلفظ يجعله مظنونا في الخطابة، ومتخيلا في الشعر. فإن اللفظ الجزل يوهم أن المعنى جزل؛ واللفظ السفساف يجعل المعنى كالسفساف؛ والعبارة بوقار تجعل المعنى كأنه أمر ثابت؛ والعبارة المستعجلة تجعل المعنى كشيء سيال. ولذلك فإن المشتغلين بالحقائق، المتمكنين من المعرفة، المتحلين بالصدق لا يتعاظون طريقة تزيين الألفاظ؛ فلا المهندس ولا معلم آخر يعنيه الاشتغال بالألفاظ وتحسينها، إلا أن يكون ناقصا، أو مزورا، أو مضطرا إلى أن يروج المعنى باللفظ، كبعض الخراسانية النسفية الذين كانوا قريبا من زماننا. بل هذه التكلفات تجري مجرى النفاق والأخذ بالوجوه فيحسن حيث تحسن هي.

وقال المعلم الأول: وقد تكف النظر فيها ثراسوماخس الخطيب الجدلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت