فهرس الكتاب
أما النفاق والأخذ بالوجوه، فإنما ينصرفان على أشياء تصدر عن الصناعة. ولهذا صار المقتدر على إجادة العبارة أشوق إلى المنازعة من العاجز عنها، وإن كان المعنى واحدا. كما أن المقتدر على الأخذ بالوجوه يجسر على ما لا يجسر عليه الساذج، وإن اتفقا في المعنى. وأما الرسائل الخطبية المكتوبة فإنما تكون قوة تأثيرها لأحوال في نفس اللفظ فقط، لا لمعنى النفاق. لأن النفاق لا يكتب. وكثيرا ما يضعف المعنى جدا، فيتداركه اللفظ الجزل، وإن لم يرفده النفاق. ذلك وأول من اهتدى إلى استعمال ما هو خارج عن الأصل هم الشعراء، إذ كان بناؤهم لا على صحة وأصل، بل على تخييل فقط. فلذلك أخذوا في تفخيم الألفاظ وجعلوا أيضا نغم الإنشاد مضاهية لجزء جزء من الغرض. ومن هناك اهتدوا إلى استنباط الصنائع الخطابية المدنية والقصصية. ولذا إذا قدر الشاعر على أن يخيل باللفظ وحده من غير حاجة إلى الغناء والتلحين وأخذ الوجوه والنفاق اعتد لصنيعه، وأعجب به، واستوجب عليه الإحماد. ولهذا السبب ما يسبق التخييل التصديق في الزمان. فإن المأثور من العبارات والمناظرات القديمة إنما يجري على مذهب الشعراء في التخييل. والناس أول ما يسمعون إنما يسمعون الأمثال الشرعية التي فيها مشاكلة للأقاويل التخييلية. ثم بعد زمان يتدرجون إلى خطابة، ثم إلى جدل وسفسطة، ثم إلى برهان ويكون المتكلفون والمتفصحون في كل عصر محاولين للتفيهق في بذلة الكلام. وليس يحسن هذا في كل موضع، ولا أيضا في كل شعر. فكثيرا ما يجب أن يستعمل مثل هذا في غير الشعر؛ وكثيرا ما يجب أن يستعمل في الشعر. فإن الأشعار القصار والخفاف التي ينحى بها نحو المعاني الهزلية والضعيفة يجب أن لا تفخم فيها الألفاظ بل يؤتى بالبذلة. ولذلك فإن الأعاريض التي كانت لليونانيين مفروضة لمعنى ما، لما حرفت وألحقت بأعاريض أخرى، حرف أيضا ما يليق بها من التفخيم. ولما طولوا الرباعيات حاولوا تغيير عادة اللفظ فيها. ولم يحسن ذلك؛ لأنهم لم يطولوها وهم يعدونها نحو استعمال آخر، بل استعملوها في الغرض التي كانت تستعمل فيه وهي رباعية. ويجب أن يفهم أن الرباعيات هي القصار من الأبيات، دون الطوال. وبالجملة: لا ينبغي أن تستعمل فخامة اللفظ في كل موضع. ولا ينبغي أن يقتدي الخطيب بالشاعر في ذلك. وكيف والشعراء أنفسهم لا يستعملون ذلك في كل موضع! وينبغي أن لا يتحرى الخطيب التفيهق في كل موضع بكلام مستقصى في الجزالة، ولكن ليطابق بمتانة اللفظ وسلاسته متانة ما يتكلم فيه وسلاسته.
واعلم أن القول يرشق بالتغيير. والتغيير هو أن لا يستعمل كما يوجبه المعنى فقط، بل أن يستعير، ويبدل، ويشبه. وذلك لأن اللفظ والكلام علامة ما على المعنى. فإنه إن لم يدل على شيء، لم يكن مغنيا غناء اللفظ. فينبغي أن يكون له في نفسه حال يكون بها ذا رونق، حتى يجمع إلى الدلالة حسن التخييل، وذلك أن لا تكون الألفاظ حقيرة سفسافية، ولا مجاوزة في المتانة مبلغ الأمر الذي تدل عليه. وكذلك الشعراء المفلقون الذين كلامهم أحسن كلام عامي، وهو الشعر، فإنهم يستعملون الألفاظ من الأسماء والكلم ما كان مشهورا كريما، بين الحقيرة وبين المتكلفة المجاوز حد الواجب في تهذيبها. وهذه الألفاظ المتوسطة التي ترتفع عن درجة العامية، ولا تخرج إلى الكلفة المشنوءة، تسمى ألفاظا مستولية. وأما أقسام الألفاظ من حيث أنفسها فتذكر في الشعر.