فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 781

واعلم أن الرونق المستفاد بالاستعارة والتبديل سببه الاستغراب والتعجب وما يتبع ذلك من الهيبة والاستعظام والروعة، كما يستشعره الإنسان من مشاهدة الناس الغرباء، فإنه يحتشمهم احتشاما لا يحتشم مثله المعارف. فيجب على الخطيب أن يتعاطى ذلك حيث يحتاج إلى الروعة وإلى التعجب. وللأوزان تأثير عظيم في ذلك. واستعمال الاستعارات والمجاز في الأقوال الموزونة أليق من استعمالها في الأقوال المنثورة، ومناسبتها للكلام النثر المرسل أقل من مناسبتها للشعر، وهو مع ذلك متفاوت. فإنه ليس قولك لرجل لا تعرف اسمه: يا رجل، كما تقول له: يا غليم. فإن هذا أشد بعدا من الواجب. على أن له موضعا يلائمه، ويليق به. ولا ينبغي أن يقتدي في ذلك بالشعر. فإن الخطابة معدة إلى الإقناع، والشعر ليس للإقناع والتصديق، ولكن للتخييل. وليعلم أن الاستعارة في الخطابة ليست على أنها أصل، بل على أنها غش ينتفع به في ترويج الشيء على من ينخدع وينغش ويؤكد عليه الإقناع الضعيف بالتخييل، كما تغش الأطعمة والأشربة بأن يخلط معها شيء غيرها لتطيب به أو لتعمل عملها، فيروج أنها طيبة في أنفسها. وقد يقع من ذلك ما يسمج جدا، كما كان يفعل رجل يقال له إدروس فإنه كان يحرف لغته وصوته ويتكلم بغير لغة بلده، ويتشبه فيه بالغرباء، فكان يستبشع ذلك منه عند المحنكين، لأنه كان يخرج عن العادة، وإنما كان يتعجب منه المغبونون والأغرار.

وقد يعرض لمستعمل الخطابة شعرية، كما يعرض لمستعمل الشعر خطابية. وإنما يعرض للشاعر أن يأتي بخطابية وهو لا يشعر، إذا أخذ المعاني المعتادة، والأقوال الصحيحة التي لا تخييل فيها، ولا محاكاة، ثم يركبها تركيبا موزونا. وإنما يغتر بذلك البله، وأما أهل البصيرة فلا يعدون ذلك شعرا. فإنه ليس يكفي للشعر أن يكون موزونا فقط. وهذا الإنسان في حكم اللص، لأنه يسرق ظنا بغير وجوب، ولا أشباه وجوب. وأول من كان يفعل هذا أوريفيدس. بل الأصل الأول في الخطابة أن تكون الألفاظ التي منها تتركب الخطابة ألفاظا أصلية مناسبة، وأن تكون الاستعارات وغيرها تدخل فيها كالأبازير، وكذلك اللغات الغريبة، وكذلك الألفاظ المختلقة على سبيل التركيب، وهي ألفاظ لم تستعمل في العادة على تركيبها، وإنما الشعراء ومن يجري مجراهم هم الذين يختلقون في تركيبها، مثل قولهم: فلان يتكشحم. فإن هذه مما ينفر عنها في الخطابة، لأنها أحرى أن تستعمل في التخييل منها في التصديق. وستعلم أن بين الجميل والحسن وبين القوي والعظيم فرقا، كما في الخلق والأشكال. وإنما يحسن في الخطابة من الأسماء ما كان مستوليا، وقد عرفته، وما كان مناسبا أيضا أهليا. وهذا هو اللفظ النص على المعنى. وأما التغييرات فإنما تصلح إلى حد. والفرهة من الخطباء يستعملون هذه الأصناف. وههنا أقسام من الألفاظ ذكرها بكتاب الشعر أولى، ومن حقها أن تهجر في الخطابة، وكلها يغلط السامع، والتغليط بالشعر أولى منه بالخطابة، وخصوصا المتفقات من الأسماء فإن من حقها أن لا يستند إليها. على أنها بالمغالطية أولى. وأما المترادفة فهي بالشعر أولى، فإن ترادفها يخيل توكيدا للمعنى. وأما التصديق فلا يستعان فيه بالتكرير البتة. اللهم إلا أن يكون التصديق غير واقع أو يرفد بتخييل. وكما أن الوزن من جملة ما لا ينتفع به في الخطابة، أو ينتفع به نفعا يسيرا، وإنما يحتاج فيها إلى شيء من الوزن غير ام، كذلك الألفاظ الشعرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت