فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 781

واعلم أن الاستعارة والتغيير إما أن تقع بلفظ مشهور، أي بحسب معنى آخر، أو بلفظ غريب، أو بلفظ لا مشهور جدا، ولا غريب، ولكن لذيذ. واللذيذ هو المستولي المذكور، وخصوصا إذا كانت حروفه حروفا غير مستشنعة في انفرادها، أو في تركيبها. وكيف كان فينبغي أن يستعمل من الألفاظ الموضوعة أي المطابقة، والمتغيرة أي المستعارة، وما يجري مجراها من المجاز ما يليق بالشيء، لا كيف اتفق، وذلك على حسب الشيء ومضاده، وأن يقايس بينه وبين ضده فيعلم اختصاصه بما يليق به. فإن الشيخ يجمل به شيء من الزينة بعينه، ولا يجمل به ضده؛ وبالصبي شيء آخر. ويبين ذلك إذا قوبل الشيخ بالصبي، فروعي ما يجمل بالصبي، فيعلم أن ذلك لا يجمل بالشيخ. وينبغي للخطيب، إذا أراد أن يستعير ويغير حيث يريد التحسين، أن يأخذ الاستعارة والتغيير من جنس مناسب لذلك الجنس، محاك له غير بعيد منه، ولا خارج عنه. فإنه إذا أراد أن يحقر إنسانا ويقبحه، فيجب لا محالة أن لا يحاكيه بشيء بعيد من جنس ما يفعله، بل يقول، إن أراد أن يقبح ملتمسا ويحقره: إن فلانا ليتكدى. وإذا أراد أن يفخم أمر حريز، لم يبعد بالمحاكاة، بل حاكاه بأنه حاذق بما يتعاطاه، وكما يقال للص المحتال: إنه لص بالتدبير والحيلة. وربما كان ما يحاكيه به ليس يخرجه إلى ضد المعنى، بل يجعله أصغر أو أكبر فيه. كمن يهون حال الظالم، فيقول: مخطئ، مسئ؛ أو يعظم الظنية في أمر من أساء وأخطأ، فيقول: ظالم، متعد. وكذلك يقول لمن سرق: إنه أخذ وتناول تارة، يريد بذلك تخفيف الأمر، أو أغار وانتهب أخرى، يريد بذلك تعظيم الأمر. وقد يقع أيضًا الغلط في الدلالة من جهة إعراب المقاطع، وفي حروف الوصل والفصل. فربما يقع ذلك خطأً، وربما يقع قصدًا، لتحريف الدلالة والتغيير. وإذا لم يجد الخطيب للشيء إسمًا، فأراد أن يستعير له، فينبغي أن يستعير اسمه من أمور مناسبة ومشاكلة، ولا يمعن في الإغراب، بل يأخذ الأسم المحقق لشبيهه ومناسبه. فتغييره إياه ليس مستعار المستعار، ومغير المغير. ثم يجب أن تكون المعاني التي يستعار منها معاني لطيفة معروفة محمودة، وقد استعملت في المتعارف من الكلام، مثل قول القائل: فوا بردًا على كبدي. فإن أمثال هذه الاستعارات قد صارت لفرط الشهرة كأنها غير استعارات. وأما الاستعارات التي لم تذع ولم تتعارف، فأكثرها منافية للخطابة. وإنما يجوز أن تختلف الاستعارات الغريبة في الكلام الشعري. ومن حسن الأدب في الألفاظ أن يكون الخطيب، إذا حاول العبارة عن معنى فاحض، لم يصرح بلفظه البسيط الذي يدل عليه بلا تركيب، أي بلا توسط معنى مستعار، بل ينبغي أن يعترض عنه، ويستعير له ويقيم شيئًا بدله. وذلك وإن كان كذبًا، فهو كذب حسن. وربما دل على المعنى القبيح بالإشارة، دون العبارة. ولكنه مذهب غير شريف في الخطبة. لأن الخطيب يجب أن يدل على المعنى بحيث يسمع. فإذا سك عنه لفظًا، وأومأ إليه إشارة، فكأنه ترك المخاطبة. وقد يحسن أن يعترض لا من الشبيه والمناسب، بل بتسمية ما يخالف المعنى محكومًا فيه بالأولى والأحرى والأفضل، ومقابلها من الأقل. أما بالأولى والأحرى والأفضل فكما يقول وهو يريد ذم إنسان: إن السيرة الحسنة أولى من الغشم، وإن العفاف أفضل من الفجور. وأما بالأقل فأن يقول: ليس العفاف أقل في إرغاد العيش من الطمع. وربما ذكر مقابل ما هو الأحرى والأولى، مثل ما ذكر في المثالين. وربما لم يذكر ذلك المخالف، بل ذكر الأولى والأحرى وحده، وكفاه في ذلك الباب بعينه، فيقول: الازدياد من العفة أولى، والاستكثار من الأصدقاء أحرى. وقد ينفع هذا أيضًا إذا ذم به من فيه عفة أو له أصدقاء، إلا أنه مقتصر على الاقتصاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت