فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 781

وجميع الاستعارات تؤخذ من أمور إما مشاركة في الاسم، أو مشاكلة في القوة، أي مغنية غناء الشيء في فعل، أو انفعال، أو مشاكلة في الكيفية المحسوسة، مبصرة كانت أو غيرها. وللقول الانتقالي الاستعاري في تأثيره مراتب. فإنه إذا قال الغزل في صفة بنان الحبيب: إنها وردية، كانت أوقع من أن يقول: حمر، وخصوصًا أن يقول: قرمزية. فإن قوله في الاستعارة للحمر"وردية"، قد يخيل معها من لطافة الورد وعرفه ما لا يخيله قوله"حمر"مطلقًا. فإن قوله"حمر"مطلقًا لا يطور بجنبه المدح والاستحسان. وذكر القرمز يتعدى إلى تخييل الدودة الستقذرة. وكذلك أيضًا الحال في الأسماء الموضوعة التي ليست مستعارة، فإن بعضها أفضل من بعض. فإن اللفظ الذي يقع على الشيء من حيث له معنى أكرم هو أحسن من اللفظ الذي يقع عليه من حيث له معنى أخس، وإن كان كل واحد منهما يقصد به في الحقيقة معنى واحد، مثل ما يقال للبغل: إنه نسل فرس من غير فرس، فإنه أوقع من أن يقال له: نسل حمار من غير حمار. وكلاهما، وإن قصد بهما واحد من جهة وفي ظاهر الأمر، فإن الاعتبارين المتحققين فيهما مختلفان، وأحدهما أحسن. وهذا قريب مما قال أبو الطيب: أيابن كروس، يا نصف أعمى وإن تفخر، فيا نصف البصير وعلى هذا المجرى حال استعمال اللفظ المعظم والمصغر. فإذا قيل مثلًا: ذهيب، وثويب، حقر به المعنى الواحد بعينه الذي يعظمه لو قيل: العقيان، أو قيل: الخلعة. بل إذا قيل: ثعلبان، وقيل: ثعيلب، وقيل: معطى، وقيل: معيطى، وعنى تصغير معطى، اختلف المعنى بذلك شديدًا. ويجب في أكثر المواضع أن يتوقى الإفراطات جميعًا.

والألفاظ الباردة على وجوه أربعة: منها الأقوال المأخوذة بالتركيب بدل الأسماء، إذا جمع من أعراض بعيدة، غير خاصة، مثل قولهم بدل السماء: الكثيرة الوجوه، وقولهم بدل الأرض: جماء الهامة، وقولهم بدل المتملق: صديق الحاجة، وكقولهم بدل النفس العادية: أسد، وكقولهم بدل قعر البحر: قاني اللون. فإن هذه الألفاظ المركبة، إذا ذكرت، لم تقم مقام حد، ولا رسم، ولا خاصة، ولا يفهم منها غرض القائل. وأما في الشعر، فقد يجوز أمثال ذلك، ويكون استعمالها لا على أنها تدل على الشيء، بل على أنها ألفاظ تحاكى الشيء.

والنوع الثاني: أن يستعمل لغة غريبة، إما من ذلك اللسان بعينه، أو من لسان آخر ينقله إلى لسانه، أو على سبيل الاختراع، كما اخترع بعض أهل لسان العرب، فقال: ترافع العز بنا فارفنعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت