فهرس الكتاب
والنوع الثالث: أن يكون من الألفاظ الموضوعة الموافقة ما يستثقل جدا، لا لنفس الغرابة، بل لأنها محرفة في هيئاتها عن القبول: لطوله جدا، كإستعمالهم بدل الطويل: العشنق؛ أو لإبهامه: كما يتفق أن تكون الكلمة مبهمة لا تدل على زمانها، فلا يعرف أن الأمر ماض مثلا أو مستقبل، أو تكون محرفة الزمان كقولهم: كان ذلك، أي سيكون؛ أو لأنها متصلة، أي متصلة بغير ذلك المعنى، كتسميتهم الخمر صهباء، حيث لا يكون مشهورا. فإن الصهوبة تشير إلى صفة تواصل الخمر بها غيره. أو قولهم للماء واللبن: الأبيضان، حيث لا يكون مشهورا. وأمثال هذه لا تحسن في الكلام الخطابي. ولا ما كان مشهورا جدا، متعارفا على ألسنة الناس والغاغة، وشيئا كالمملول. ولا يحسن أيضا ما يكون مع ذلك مأخوذا من الشعر مخيلا فيه طبيعة الشعر، كما يسمع تقريبا من هذا الذي يسمى في زماننا ذوب الشعر، وهو وإن استحسن في زماننا، فإنما استحسن في البلاغة من حيث هي بلاغة يراد بها التعجيب، لا من حيث هي خطابة يراد بها إيقاع التصديق للجمهور، إذ ليس هو على عادة الجمهور ومذهب اللفظ المشهور، بل هو كاللفظ الغريب، الغير اللذيذ عند الجمهور، وعلى أن الإجماع إنما وقع على ذلك من المتعجرفين. وأما البصراء فإنما يحبون من ذوب الشعر ما هو حائل اللفظ، لطيف المعنى، وليس بالمفرط في الاستعارة، ويحبونه كالأبازير. ومن اللفظ البارد ما يسمج لإفراط جعله الشيء عظيما، مثل ما كان لا يستعمل بعضهم في كلامه لفظة"اللذيذ"، بل يأخذ بدله"المغرى". وقد ذكر لذلك أمثلة أخرى جمع فيها إن كان اللفظ متصلا، ومع الاتصال فيه البرد التركيبي. وإنما يضطر إلى استعمال هذه الأشياء في كثير منه حيث لا يوجد للشيء لفظ موضوع مفرد، فيحتاج أن يؤلف له لفظ دال عليه. ثم على طول الزمان ربما قبل واعتيد. ويكون قبل ذلك باردا. وبعض هذه الوجوه المستبردة قد يقع في الشعر أحسن موقع. أما المضعفات فتلائم الوزن المسمى"افمن"، وهو وزن يستعمل في المطربات المفرحة والمضحكة، ويكون مع ذلك طويلا. فيكون المضاعف لطوله، ولتعريضه للضحك منه ببرده، يلائمه. وأما الغريب فيصلح للوزن المسمى"افي"، فإنه وزن يراد به تهويل الأمر في السياسات والشرائع، ليخشع أو يحذر. والغريب من جملة ما يكون له، كما أنبأنا به من قبل، روعة وحشمة، مع انقباض النفس عنه. كما أن الاستعارة تناسب"ايامبوا".
وأما النوع الرابع من الألفاظ الباردة: فهي الاستعارات التي لا تشاكل الخطابة أصلا، إما لشدة بعدها والغلو فيها، وإما لحقارتها وذهابها إلى جهة الاستهزاء، فإنها قبيحة. وإن كانت الاستهزائية منها تصلح في ضروب من مؤذيات الشعر، وهي التي تذكر فيها الأهاجي والفحش والرفث. والمبعدات العظيمة جدا منها تستعمل في"الاطراغودية".
والتشبيه يجري مجرى الاستعارة، إلا أن الاستعارة تجعل الشيء غيره، والتشبيه يحكم عليه بأنه كغيره، لا غيره نفسه، كما قال القائل: إن أخيلوس وثب كالأسد. والتشبيه نافع في الكلام الخطابي منفعة الاستعارة، وذلك إذا وقع معتدلا. فأما أصله فهو للشعر. ويجب في التشبيه والاستعارة، إذا استعملا في شيئين معا، أن يكونا متجانسين. مثلا: إذا دل على الزهرة والمريخ معا بالاستعارة، أو بالتمثيل، أو بالمحاكاة، فقيل في هذه: ماسكة الكأس، فينبغي أن يقال للمريخ: ماسك الحربة. حتى إذا كانا نظيرين ومتخالفين معا، يمثلان بشيئين متناظرين من جهة، مختلفين من جهة خاصة كل واحد منهما.
فصل
واختيار ما يحسنه وما يحسن في الشعر ولا يحسن في الخطابة وما يحسن فيهما جميعا
فلنتكلم الآن في كيفية اختيار اللفظ، فنقول: