فهرس الكتاب
يجب أول كل شيء أن تكون فصيحة صحيحة، لا لحن فيها بحسب اللغة؛ فإن اللحن يركك الكلام ويرذله. ثم ينبغي أن تراعى الرباطات بتمامها. والرباطات هي الحروف التي يقتضي النطق بها عودها مرة أخرى، وارتباط كلام بها؛ فينبغي أن لا ينسى إعادتها، أو أن لا ينسى الكلام المرتبط بها، مثل أنه إذا قال: أما أنا فقد قلت كذا، فينبغي أن يتمم الكلام، فيقول: واما أنت، أو إنسان آخر فلم يفعل كذا. فإن الوقوف على"أما"هو نقصان من واجب الكلام؛ وأن لا يباعد بين الرباطين بحشو دخيل ينسى ما بينهما من الوصلة؛ وأن يراعي حقه من التقديم والتأخير، فإنه يجب أن يقول: لما كان كذا، كان كذا، فإن حق"لما"أن يقدم. ويقول: كان كذا، لأن كذا كذا، فإن تقديم"لأن"قبل الدعوى سمج. أقول: ولم يأتمر بهذا فرفوريوس، صاحب ايساغوجي. وأن لا يدخل رباط بين رباط وبين جوابه، إلا في بعض المواضع، كقولهم: أما أنا، فلأجل الرغبة في حمدك، فارقت قومي، وقصدتك؛ واما فلان فيلزمهم. فلأن لفظ"فلأجل"قد دخل بين"أما"الأول، وبين"أما"الثاني، وتوسط، فلم يقبح. وربما لم يوسط بل جعل في الطرف، كقولهم: أما أنا فأتيتك، وأما فلان فلم يأتك. ثم يورد العلة في الطرف، فيقال: لأجل كذا. وهذا إنما يحسن حيث يكون الرباط الأول شديد التنبيه على الثاني. ثم للغات في هذا أحكام، فليس يمكن أن يقال فيها قول كلي محقق. بل ينبغي أن تكون الألفاظ التي لا يراد فيها التشبيه والاستعارة ألفاظا خاصة، غير مشتركة، ثم لا تكون مغلطة وتوهم بمعناها الواحد الشيء وضده. فأمثال هذه الألفاظ تستعمل تغليطا، مثل ما يستعمل انبادقليس الكرة التي يقول إن العالم سيصير وقتا إليها، كما ابتدأ وقتا منها. وكما يتلفظ به المتكهنون، مثل الحكم النجومي الذي حكم به بعض المنجمين، فقال: فلان الملك اليوناني، إذا عبر النهر تأدى الأمر به إلى بطلان ملك عظيم. فلما عبره، تلقاه كورش الملك وهزمه وأفسد ملكه. ولم يجد إلى الإنكار على المنجم سبيلا، لأنه لم يكن بين أي الملكين يبطل بعبوره. وإنما كان الملك نفسه، ومن ذات نفسه، وبحسب وهمه، ما تخيل أن ملك كورش يبطل. ولفظ الكاهن كان محتملا للمعنيين. ولمثل ذلك ما يكون المنجم والكاهن جسورا على القضايا بأمور كلية جدا، إذ الغلط في الجزئية أكثر. ولذلك فإنهم يحكمون حكما مبهما جدا، غير مؤقت ولا مكيف. والوجه الرابع: أن يراعى أمر التأنيث والتذكير، ما كان بعلامة، وما لم يكن بعلامة، حتى لا يقع فيه غلط. والوجه الخامس: أن يراعى أمر الجمع والتثنية والوحدان والتصاريف التي تختص بها. وينبغي أن يسقط الرباطات والإدخالات والتعويضات بالشروط المتداخلة بالتقديم والتأخير، ويجعل الكلام عفوا، حسن الدلالة. وأن تكون هيئات الدلالة على الوقف بالتقصير، وعلى الاتصال بالتثقيل مراعاة على حقوقها. وهذا شيء يكثر في اللغة السريانية واليونانية. ويحذر إيقاع اللفظ موقعا يمكن أن تقرن دلالته بموضعين مختلفين، كقول بعضهم: إن هذا القول كان دائما للرجال الحكماء؛ لأن الدائم لا يدري أهو في شرط الموضوع، أو في شرط المحمول، أي على أن هذا القول إذا كان دائما فهو للرجال الحكماء، أو على أن هذا القول للرجال الحكماء كان دائما. فيحتاج ضرورة إلى علامة تتصل به: أما في الكتابة فإلى الشكل والإعجام؛ وأما في العبارة فإلى مثل ذلك من الدلالة. وهذا مما ليس في كلام العرب. وهذا كما يجب عليك، إذا ذكرت الشيء وحده، أن تدل عليه بالاسم الذي يخصه، كما تقول في حكاية حال العين: إنها أبصرت. فإن قال: أحست، لم تدر إلى أي الحواس يرد، إذ كان محتملا للرد إلى كل حاسة رد العين إلى الإبضار واللمس. فكذلك حال الدائم هناك، لكنه إذا ذكر حالا عامة لانبين، مثل حال عامة لفعلى السمع والبصر معا، احتاج ضرورة إلى أن يقول: تحس، واغناه ذلك عن أن يقول: الاذن والعين ابصرت وسمعت، بل يقول: أحستا. وكذلك إذا جمع المذكر والمونث معا، أوثناهما، فغلب المذكر.
ومن الاشياء المفسدة لرونق النظم إدخال كلام في كلام، مثلا كما يقول: كنت أريد أن آتيك وقت المساء، وفي ذلك الوقت يرجع الناس إلى بيوتهم ويتهيئون لصلوة المغرب، ولتناول العشاء، لأن الشمس تغرب، والليل يقرب، لكنه منعني من ذلك بعض الموانع.