فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 781

واعلم أن الكلام ربما نفع إيجازه حين يراد الإفهام الوحي، ويوثق بتعقبالإقناع إياه لمعرفة حال السامع، أو حال الأذاء. فيجب أن ترد الحدود والرسوم هناك إلى الألفاظ المفردة. وربما نفعت بسطة للإسهاب به حين يراد توكيد الإقناع واتهويل. فيجب أن تبدل الألفاظ المفردة بالأقاويل. وقد يبدل الاسم بالقول، إذا كان الصريح يستبشع، مثل الاسم الصريح لفرج النساء، فالأسن أن يبدل فيقال: عورة النساء، وكما يبدل اسم الحيض بدم النساء، ويبدل الاسم الصريح للجماع بلمس النساء. وربما بدل الاسم بالصفة المفردة، فيقال بدل الاسم الصريح للجماع: الوطء، وبدل اسم ذلك الذي لهن: العورة. وربما تركت الصفة، وفزع إلى التشبيه والاستعارة والشعراء يجتنبون استعمال اللفظ الموضوع، ويحرصون على الاستعارة حرصًا شديدًا، حتى إذا وجدوا اسمين للشيء، أحدهما موضوع، والآخر فيه تغيير ما، مالوا إلى المغير. مثلًا: إذا كان شيء واحد يحسن أن يقال له: مستراح، ويقال له: مسكن ومبيت، وكان تسميته بالمسكن أولى، لأنه مكان المرء ووطنه، سموه بالمستراح، لأنه يدل على تغيير ما، ويخيل راحة ما. كما ينتقلون إلى الوصف عن الاسم، فيقولون لبعض الدور والمساكن: تلك الكثيرة الأبواب، ولبعضها: تلك التي لها وجهان ومصراعان متباينان؛ ولا يقولون بالتصريح: إنه دار فلان، أو مسجد فلان، بل يتركون الاسم الموضوع، ويميلون إلى النعت. وكذلك يتركون الاسم الموضوع، وينتقلون إلى اسم مشتق عن وصف، أو إلى مستعار. وبالجملة: إلى مغير هذا.

ومما يعين على الإياز: ترك الرابط، وحذف حروف الإضافة، والصلات، إذا وقع عنها استغناء. وليس يحسن استعمال المعدول حيث يوجد اللفظ المعتدل، الموجز، الحصل. فإن المعدول لا يدل النفس على معنى يقع عنده، بل إنما يدل على المراد بالعرض، كما علمت. فيجب أن لا تعقد أن في استعماله كل تلك الفصاحة والشرف، بل يجب أن تستعملها في التعريضات حيث يكره التصريح، وفي التهويلات وحيث يراد التعجيب والتغريب. وهذه الأشياء تجوز في الإفراطات المديحية والهائية، حيث تذكر خيرات وشرور، لا لأجل أن ينتفع بها. وكذلك تحسن جدًا في الشعر. وأما في المشورات فلا تحسن إلا حيث يراد تهويل ما بالتحذير. وأما الشكاية فقلما يحتاج فيها إلى ما يدل على المعنى بالمطابقة. وأما الإعتذار فربما احتاجت الشعراء فيه إلى مثل ذلك، فكثيرًا ما يستعملون ذلك، فيقولون مثلًا: إن الأشعار ألحان غير مزهرية، وإن النفخ في المزمار القرني عزف غير عودي. وأحسن هذه ما يحفظ المعادلة. وإنما تكون المعادلة إذا كان للشيء ضد، أو نظير وشريك، فدل عليه بسلب ذلك الشيء عنه، فيقال: الجاهل غير عالم، والزمر عزف غير وتري. إذ كان الجاهل غير العالم، وكان الوتر نظير الزمر. وأما أن يقال: غير إنسان، أو غير اثنين، أو ما أشبه ذلك، فهو مستكره، غير مقبول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت