فهرس الكتاب
والألفاظ الفصيحة الموافقة هي المطابقة، والمخيلة مع ذلك على سبيل التضليل، وهي التي تجمع إلى تفهيم المعنى التخييل المطابق للغرض أيضًا، إذا فهمت؛ وذلك إما للعبارة، وإما لنفس اللفظ، كما يقال بدل الخبيث من الناس: القذر، فإنه تقزز عنه مع إفهام المنقصة القصودة. وأن يكون معتدله. والمعتدل هو الذي لا يفرط في الصفة حتى يدخل في حيز الكذب الظاهر، ولا يقصر أيضًا تقصيرًا يسلب الصفة رونقها. ويجب أن يقال في كل شيء بما يناسبه، ولا يقصر في الأمور العالية، ولا يفرط في الأمور المتواضعة، وأن يهجر اللفظ العامي السفسافي الذي لا يستعمله إلا الغاغة. فإن الشعراء الهجائين أيضًا، إذا قصدوا قصد الفحش والسقط السفسافي من المعنى، اجتنبوا اللفظ الساقط، وهو بذلك أليق. فإن السفساف أليق بالسفساف. وقد ينتفع بالألفاظ الانفعالية والخلقية انتفاعًا شديدًا، وذلك حين يراد أن يثار انفعال. فتكون الألفاظ المثيرة للأنفة، الفاضحة، صالحة لإثارة الغضب. وأما الألفاظ المستقبحة للفواحش والآثام، فإنما ينتفع بها حين يزهد في القبائح. وينتفع بالمدحيات للاستدراج، وبالذميات والمؤذيات عند الغم. فإن الألفاظ، إذا قرنت بهذه الأحوال، ضللت النفوس، وجذبتها إلى جانب التصديق، وقهرتها إلى القناعة، وحصلت هيئة نفس السامع على هيئة نفس القائل. وللفظ سلطان عظيم، وهو أنه قد يبلغ به، إذا أحكمت صنعته، مالا يبلغ بالمعنى، لما يتبعه أو يقارنه من التخيل. فإعان النفس لما تهيؤها له قوة اللفظ بقرب البعيد من التصديق، كما أن التهيئات الخلقية اللاحقة للإنسان وغيرها مما يقرب من التهيئات تقرب البعيد من الانفعال، والطاعة، وتصديق ما ينى على ذلك الانفعال. والألفاظ الخلقية تقوم مقام هذه الهيئات. والكلام الخلقي هو المحرك نحو اعتقاد خلق، واستشعاره، والركون إلى إيثاره. والكلام الانفعالي هو المحرك في الوقت لانفعال، وإن كان مخالفًا للخلق، مثل ما يخجل الحكيم ويجنبه ذكر ما يطابق باللفظ الصريح بين الخلق والانفعال. ومن هذه الألفاظ الانفعالية قول القائل: كل عاقل يعلم أن كذا كذا، فيستحي السامع إنكاره؛ وقول القائل لخصمه: أظن أن الناس يذعنون لرزقك، ويصغون إلى تلبيسك؟ أو يقول: أنت هو ذا تستحقر الحاكم والحضور ولا تعبأ بهم، ولا تنقد أولًا ما تعرض عليهم من كلامك. وهذا وما أشبه يغيظ المتوسطين، ويخرجهم إلى توبيخ الخصم.
وأما وجوب اختيار الوقت لكل عمل من هذه بحسبه، فهو أمر يعم كل شيء. وأما دعوى الصحة فهو أيضًا من ذلك القبيل. ودعوى الصحة أن يقرن بكل لفظ يقوله: إنه لا شك فيه، وإنه من البين. وكذلك وجوب تقدمه الأعداد.
وليس يجب أن يستعمل الطيب المعتدلات فقط، فربما وجب أن يستعمل تلك الأخرى، ويستدرج السامعين بترك استعمال المعتدلات، مائلًا بالألفاظ بها إلى الإفراط المذكور، أو التقصير المذكور. وكذلك يلزمه أن يستدرج بأحد الوجوه؛ فإنه إن لم يفعل هذا، لم يكن القول إلا ساذجًا على فطرته الأولى، غير معان بحيلة. وحينئذ ربما لا يفاد منه إقناع. فإذا غلظ اللين، ولين الغليظ، كان في ذلك تدارك للشيء بلطف الصنعة، ورد إياه إلى الإقناع. وأما الأسماء الموضوعة والمضاعفة والغريبة فتصلح في الأحوال الانفعالية، وخصوصًا إذا قرن بها معان انفعالية وعرض لمدح، أو ذم، أو احتشام، أو تقرب بتودد، مثل ما كان يقول سقراط: إنه سيتم مرادي، فلقد تم صبري وجهادي. والمجاهد في الحق يبلغ منه أربه. وهذا أشد موافقة للشعر. قال: وعليه كان الشعراء القدماء. ولمثل هذا ما كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي، فيعتقد قوله، ويصدق حكمه، ويؤمن بكهناته، إذا كان يزعم ما يحكم به بمثل هذه الأشياء.