فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 781

وأما الاتصال الثالث فهو أن يكون المتصلِ به لازمًا للمتصل في حركته التى يزول منها طرف الذى يليه عن موضعه الذى يلاقى نهايته فيه. وهذا الاتصال لايمتنع أن يكون فيه مماسة إذا وِجدت ملازمةً عند الحركة بملاصقةٍ أو مشابكةٍ؛ فإن الجسم إذا كانت حاله عند جسم آخر أنه إذا حُرِّك ونقِل عن موضِعِه نقلًا ينقِل طرفه الطرف الذى يليه مِن الآخر حتى يِصير الآخر معه حيث صار، فإنه يقال إنه متصل به. والاتصال الحقيقى بحسب هذا الموضع هو الأول؛ وإن كان إنما نقِل اسمه مِن الاتصالِ الذى على سبيل الإضافةِ؛ إذ يتوهم له أجزاء فيما بينها الاتصال الإضافى. وكثيرًا ما ينقل اسم لمعنى عن اسم شئ آخر؛ فيصير بحسب صناعةٍ مَّا أحق بذلك الاسم.

فمن الكمية ما هو متصل؛ ومنه ما ليس بمتصل فالجسم الذى من باب الكمية من المتصل. وكيف لا ؟ وتجد هذا الجسم بحيث يمكن أن يفرض بين أجزائه حد مشترك وهو السطح؛ فتجد أجزائه تشترك بسطح واحد تلتقى عليه. وقد تجد نظير ذلك للسطح بالخط، ولا الخط بالنقطة والزمانِ أيضًا؛ فإنا نجد فيه شيئًا متوهما يتصل به ماضيه ومستقبله؛ وهو الآن.

وهذا الجسم المحسوس ليس يتجزأ إلا من حيث فيه بُعْدٌ؛ فينقسم ذلك البعد إلى ما ينقسم إليه. فالجزء له من حيث هو ذو ذلك المقدار؛ لا من حيث هو جسم على الإطلاق، أو جسم جوهرى؛ فإن الجزء له من حيث يفاوت ويساوى، لا من حيث لايقبل مفاوتة ومساواة، على ما علمت؛ فإذن التجزئة إنما عرضت بالضرب الأول للجسم من حيث هو ذو كم لا من حيث صورته.

فإن قال قائل: إن التجزِئة لاتكون إلا بسبب شئ من شأنه قبول التجزِئة، والقبول والاستعداد إنما يكون في المادة، ليكون الاستعداد للتجزِئةِ بِسبب المادة، لا بسببِ الكميةِ؛ فإنه شك ينحل في العلوم ويجب أن تسلم ههنا أن التجزئة تعرِض للمقدار بما هو مقدار، وإن كان فيه للمادة مشاركة؛ وفى العلوم نبيِّن أن حصة المادةِ في ذلك ما هى، والأمر الذى للكم بالذات من ذلك ما هو، فإن هذا لا يجب أن تشتغل به في علم المنطقيين؛ بل تعلم أن التجزِئة التى معها حركة وافتراق في المكان غير التجزِئة التى إنما فيها تعيين الجزء فقط. فهذا الكلام كله إشارة مِناَّ إلى الكم المتصل.

وأما الكم المنفصل فإنّه كالسبعة التى لا يوجد لأجزائِها حد مشترك؛ فإنك إذا جزأت السبعة إلى ثلاثة وأربعة، لم تِجد بينهما طرفًا مشتركا؛ فإنه لا طرف للأعدادِ إلا الوحدة؛ ولا توجد وحدة مشتركة بين الجزء الذى هو ثلاثة والجزء الذى هو أربعة؛ ولو وجدت وكانت مِن وحدتها لصارت الوحدات ستة وانتقص عدد السبعة؛ وإن كانت خارجة عنه كان ترتيب السبعة مِن ثمان وحدات.

فلنقل الآن: إن الكم المتصل لا إما أن يكون قاز الذات فيما هو كم له؛ وإما أن تكون ذاته غير قازة؛ بل هى في التجدّد. ولنضع أن كل متصل بذاته على سبيل التجدد فهو هيئة حركة هى لا محالة حالة جسم، فإنَّ ذلك هو الزمان، وبيانه العلم الطبيعى. وأما الكم المتصل القارّ فليُسَمَّ عظما وقدرا؛ ولا يخلو إما أن يكون امتداده بعدًا واحدًا فيحتمل تجزئةً واحدة لاتعارضها تجزئة قائمة عليها؛ وهذا هو الخط؛ وإما أن يكون محتملًا للتجزئة في جهةٍ، ثم يكمن أن تعارضها تجزئة أخرى قائمة على تلك حتى يمكن فيها فرض بعدين متقاطعين على قوائم، ولا يمكن غير ذلك؛ وهذا هو السِطح؛ وإما أن يكون المقدار الذى يحتمل التجزِئة يحتملها في ثلاث جهات؛ وهذا هو الجسم الذى من باب الكم. فيسمى جِسمًا من حيث هو بهذه الصفة. وقد يسمى عمقًا وسمكًا وثخنًا. أما ثخنا، فلإنه حشو ما بين السطوح؛ وأما عمقًا فلإنه ثخن نازل أى معتبرِ من فوق إلى أسفل؛ وأما سمكًا فلإنه ثخن صاعد أى معتبرِ من أسفل إلى فوق. وربما وقع اسم العمِق على معنى آخر سنذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت