كنتُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ، فلقد رأيتُنا وما مِنَّا إنْسانٌ عليه ثَوب تامٌّ، وأخَذَ العَرَقُ في جلودِنا طريقاً مِنَ الغُبارِ والوَسَخِ؛ إذْ خَرج عَليْنا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال:
"لِيُبْشِرْ فُقَراءُ المُهاجِرينَ"، إذْ أَقْبَل رجلٌ عليه شارَةٌ حَسنةٌ، فجعَلَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يَتَكلَّمُ بِكَلامٍ إلا كَلَّفَتْهُ نَفْسُه أنْ يأْتيَ بِكَلامٍ يَعْلو كلامَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فلمَّا انْصَرفَ قال:
"إنَّ الله لا يُحِبُّ هذا وأضْرابَهُ، يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُم لِلنَاسِ لَيَّ البَقَرِ بِلِسانِها المَرْعَى، كذلك يَلْوِي الله تَعالى ألْسِنَتَهُم وَوُجُوهَهُم في النارِ".
كانَ النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخرجُ إلينا في الصُّفَّةِ وعلينا الحَوْتَكِيَّةُ، فقال:
"لوْ تَعْلَمونَ ما ذُخِرَ لَكُمْ ما حَزِنْتُم على ما زُوِيَ عنكُم، ولَتُفْتَحَنَّ عليكم (٢) فارِسُ والرومُ".
(الحَوْتَكِيَّة) بحاء مهملة مفتوحة ثم واو ساكنة ثم تاء مثناة فوق، قيل: هي عمّة يتعمَّمها الأعراب يسمونها بهذا الاسم.
(١) قلت: وهو كما قال؛ إلا في قوله: "بأسانيد" فليس له إلا إسناد واحد، وإن تبعه الهيثمي، وقلدهما الثلاثة إلا فيما أصابا، فقالوا: "حسن"!! وهو في "الصحيحة" (٣٤٢٦) .
(٢) وكذا في "المجمع" (١/ ٢٦١) . وفي "المسند" (٤/ ١٢٨) : (لكم) ، ولعله أصح، وكان الأصل (دخر) بالدال المهملة فصححته منه، وهو في "الصحيحة" (٢١٦٨) .