فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 292

على مقدار ما تكون جذور الكلمة الطيبة وأصولها راسخة ثابتة تكون أساليبها مرنة نامية منوعة ، وهذا في حد ذاته أحد مقتضيات ثبات الأصول ؛ فأحوال البشر وأفهامهم مختلفة ، ولذلك تعدد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وتنوعت شرائعهم ، وصدق الله العظيم إذ يقول: { ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم: 14] ، فالرسول يكلم الناس بلغتهم التي يتكلمون بها على أوسع ما تحمله هذه الكلمة من دلالات ، والهدف هو: أن يبين لهم ما يدعو إليه ، وقد أخذ الأسلوب القرآني من العرب كل مأخذٍ ، وتحداهم وطاولهم في التحدي ، وأقام عليهم الحجج الدامغة التي تناسب أوضاعهم الفكرية آنذاك . واللغة في أبسط تعاريفها هي:

مجموعة الإمكانات التعبيرية في بيئة من البيئات ، وهذه الإمكانات التعبيرية تتسع باتساع حضارة اللاغين بها ، واتساع غنى الخلفيات الثقافية لديهم ، وهذه الإمكانات دائمة التغيير والتشكل تمر بعين الأطوار التي يمر بها الكائن الحى من الولادة إلى الموت وما بينهما من مراحل . ولغتنا الفصحى تنمو ضمن أطر صارمة ، فالفاعل لن ينمو ليصبح مجرورًا ، والمضاف إليه لن ينمو ليكون مرفوعًا ، ولكن بين تلك الأطر مساحات واسعة شاسعة تتحرك فيها اللغة على مستوى التراكيب والدلالات والأصوات ، وتلك الحركة تساير وتناغم شلالات الثقافة في الأمة في تنوعها ودرجة عنفها .

لغة العصر:

من سمات حركة التاريخ أن دور العبادة تظل كهوفًا لنوعٍ أو لأنواعٍ من العلم مهما ساءت أحوال الأمة الثقافية ، وعلى امتداد تاريخنا الإسلامي كان علماء الشرع يشكلون السواد الأعظم من الكتاب والباحثين والمفكرين ، مما جعل اللغة التي يتكلم بها الصفوة من الناس هي عين اللغة التي يتحدث بها الدعاة ، لأنهم هم الذين شكلوها ، وعلى ألسنتهم تطورت ونمت ... ولكن الزمان قد اختلف ، حيث إن اللغة التي يتكلم بها النخبة اليوم تكونت من جهد ثقافي متنوع ، فأجهزة الإعلام والجرائد والمجلات والقصص والروايات والكتب التي صنفها باحثون تنوعت ثقافاتهم مضامين وأساليب ، وبفعل وسائل الاتصالات الحديثة صار العالم بمثابة قرية صغيرة تكثفت فيها الآراء والاتجاهات والثقافات ...

وكان في هذا تحدٍ عظيم لكل من يريد مخاطبة الناس والتأثير فيهم ، إذ أن الخلفية الثقافية للمخاطبين صارت أكثر تعقيدًا بسبب ثراء الساحة الثقافية وتنوعها ، مما أسفر عن وجود حواجز كثيرة ، على الكلمة أن تتجاوزها قبل الاستقرار في الذهن أو العاطفة ، كما صار التزام الدقة في أداء الكلمة شرطا أساسيا للحيلولة دون أن يساء فهمها ، كما صار اختيار العبارات المناسبة للحقيقة التي يُراد إيصالها للمخاطب أمرًا ضروريًا جدًا .

فإذا كانت الحقيقة التي نريد توصيلها أدبية أو حضارية فإن العبارة القادرة على اختراق الحجب هي التي تحمل في تركيبها قابلية تعدد المعاني عند مختلف الدارسين ، بحيث يكون لكل منهم فيها خطة من التفسير و التأويل ، بشرط أن يكون ذلك ضمن طاقة التركيب اللغوي الذي بين يديه . أما الحقيقة العلمية الكونية أو العقدية أو الفقهية: فينبغي أن تصاغ بعبارة غاية في الدقة لا تدع مجالًا إلا لمعنى واحد ، كما أن في تلك المعنى لا يجد دقة صياغته إلا في تلك العبارة .

فإذا لم يراع المتحدث أو الكاتب هذا أحدثت عباراته للناس فتنًا ، وأوقعته في الريبة مع سلامة قصده ، وفتحت عليه من نوافذ النقد ما لا قبل له به .

من خصائص لغة العصر:

يتمخض عن تلاطم الأفكار والثقافات المختلفة قناعات ومفاهيم عند السواد الأعظم من الناس ، وهذه المفاهيم قد تكون صحيحة ، وقد لا تكون لأنها لا ترتكز في أكثر الأمر على حقائق موضوعية بقدر ما تنبع من قوة الفعاليات على الساحات الثقافية والفكرية ، وهذه القناعات تشكل مفردات التركيب الذهني لدى الناس ، مما يجعل امتصاصهم للمعلومات التي يطلعون عليها ذا سمات خاصة تنسجم مع ذلك التركيب . وحينئذ فإن الداعية مطالب بمعرفة تلك القناعات والمفاهيم ، كما أنه مطالب بتحسس التركيب الذهني السائد في عصره حتى يخاطب الناس بلسانهم ، ومن هذه الخصائص:

أ- اعتماد الإحصاء بدلًا عن الفلسفة:

كانت الفلسفة تسمى ملكة العلوم ، وذلك بسبب تأثير منهج أرسطو في منحنيات الفكر البشري ومساراته ، وقد كان الناس إلى عهد قريب يسمون من أوتي فيهم مقدرة خاصة على التعبير بـ (الفيلسوف) ، بل إن بلدًا مثل بريطانيا مازال يستخدم كلمة (فلسفة) في شهادات التخصصات العليا لديه . وقد تأثر الفكر الإسلامي قديمًا بالمنطق الأرسطاليسي ، وتسربت مقولاته وأقيسته إلى كثير من كتب الأصول والفقه والعربية ، بل والعقيدة . ذلك الفكر الذي لا يقيم للتجربة أدنى وزن ، ومن الطرائف المتناقلة في هذا: أن أرسطو كان يزعم أن أسنان الرجل أكثر من أسنان المرأة ! ولو أن زوجته فتحت فمها وعدَّ أسنانها لعرف أن زعمه حديث خرافة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت