وقد أدركت أوربة في أوائل عصر نهضتها ألا نهضة ولا تقدم قبل نبذ الفكر الأرسطي القياسي ، ثم الاتجاه إلى التجريب لتتويجه ملكًا على العلوم المادية ، ومن ذلك اليوم بدأت قناعات الناس تنحو منحى لغة الرقم لاستفتائها والبناء عليها ، وهذه نقطة إيجابية إذا أحسنا التعامل معها ، ولكن كثيرين منَّا مازالوا غير واعين لهذه الحقيقة ، مما يجعلهم يستمرون في سوق الحجج العقلية مع توفر أرقام واقعية تدعم قوله ، وتؤيده ، فعلى سبيل المثال: فإن تقديم نماذج واقعية ذات أرقام محددة على ما يكن أن ينتج من الأمن والرخاء نتيجة تطبيق الحدود والنظام الاقتصادي الإسلامي - أجدى وأنجع بكثير من سرد مجلدات من العلل والحجج العقلية التي تشرح فوائد الالتزام بالإسلام ، أو تلك التي توضح سلبيات الربا وتطبيق القوانين الوضعية .
ومن المفيد هنا أن نقول: إن أرسطو أنشأ فن الجدل ليسد الثغرات التي يتركها الاستقراء الناقص للأحداث والأفكار ؛ كما أنشئت فلسفة التاريخ فيما بعد لتسد النقص في التفاصيل التاريخية ، أما اليوم فقد أضحى الإحصاء إحدى أهم سمات عصرنا البارزة ، مما يسهل استخدامه حتى نخفف من الجدل والمماحكات اللفظية العقيمة .
ب- رفض التعميم:
لقد تعقدت الحياة وكثرت التفاصيل فيها إلى درجة جعلت تعميم الأحكام في أكثر الأحيان أمرًا بعيدًا عن الحقيقة ؛ وصار التعميم في لغتنا في إحدى أهم الثغرات التي ينفذ منها لهدم ما نقوله وتمييع القضايا التي نعرضها .
على أن التعميم مرفوض في المنهج الإسلامي بصورة عامة ، ومن ثم كثرت الآيات في الكتاب العزيز التي ترد فيها كلمة (أكثر) ، وكلمة (كثير) بمعنى أكثر ، كما أن في السنة ما ينسجم مع هذا من مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن أعظم الناس فرية لرجلٌ هاجى رجلًا فهجا القبيلة بأسرها ) [1] .
والمحدثون الذين يتسم عملهم بالدقة والإتقان كانت لهم تفريقات رائعة في أبواب نقد الرجال والحكم على الأحاديث من مثل قول مالك - رحمه الله -: » إن من شيوخي من أتبرك بدعائه ، ولكن لا أقبل روايته « ، ومن مثل قولهم: فلان صدوق إلا أنه غير ضابط ..
فالتعبير بـ ( الاتجاه العام ، أو الانطباع العام ، أو الأقرب أو الأكثر ) هو الأدنى من الحق والأكثر انسجامًا مع لغة العصر .
ج - النفور من الوعظ المباشر:
عكر النسيج الثقافي القائم اليوم الرؤية عند كثير من الناس ، كما أفسد الكثير من الفطر السليمة ، كما أدى نمو الخصائص ا الفردية في صورة مرضية في بعض الأحيان ، كما أدى إلى تضخيم الخصوصيات لتنسحب على كثير من شؤون الحياة العامة التي هي أقرب إلى العموميات ، وقد أدى ذلك كلته إلى تكوين مزاج لا يرتاح للوعظ المباشر ، وصار ينظر إليه في بعض الأحيان على أنه خروج عن اللباقة والآداب الاجتماعية المرعية ، أضف إلى هذا أن انخفاض نوعية الدعاة -كما هو شأن أكثر الأمة- في جانب الالتزام يجعل قبول الناس للموعظة أمرًا غير سهل .
ومن ثم فلابد من الاعتماد على الإيحاء والتلميح وضرب الأمثال وغيرها أسلوبًا للخطاب وزكانة الداعية تفتح له في كل يوم آفاقًا جديدة في هذا .
د - الاختصار:
الناس اليوم في عجلة من أمرهم ؛ حيث إن المستوى المادي الذي يطمحون إليه جعل الوقت يضيق عن الشروح الطويلة وتكرار البديهيات واستخدام المترادفات ، مما يقتضي الإيجاز - غير المخل - في إيصال الأفكار والمعلومات إليهم ، وصار الإطناب من فضول القول .
هـ - الضيق بالمبالغات:
مرت على أمتنا بعض الفترات التاريخية التي سادت فيها المحسنات البديعية ، وصار إطلاق الألقاب الفخمة يجري دون أي اعتبار أو تحاكم إلى الواقع ، ويقف المرء على هذا في مقدمات بعض الكتب ، وما يطرز به أسماء مؤلفيها من الصفات التي تبتعد عن الحقيقة قليلًا أو كثيرًا ؛ لأنها لا تستند إلى قاعدة من المعلومات الصحيحة كما في قولهم:
البحر العلم المجدد جمال الدين فريد عصره ووحيد دهره الذي لم تقع العين على مثله ... وتطلق هذه الأوصاف على عشرات من العلماء الذين يعيشون في عصر واحد أو في بلد واحد في بعض الأحيان . وكانت هذه الإطلاقات مجافية لما عرف عن سلف هذه الأمة ، بل لما عرف عن منهجه - صلى الله عليه وسلم - حيث أثنى على كثير من أصحابه ، ووصفهم بصفات محددة ، فواحد أعلمهم بالقراءة ، وآخر بالقضاء ، وثالث بالصدق ، وهكذا ..
ولم تقتصر المبالغة على إطلاق الألقاب ، بل تجاوزت ذلك إلى أن أصبحت جزءا من الاعتبارات الذهنية والعلمية عند كثير من الناس ، وقد عاد الأمر إلى نصابه في لغة العصر ، وصارت المبالغة مملولة ممجوجة .
و - التجديد: