كان من خلق بني إسرائيل أنهم لا يصبرون على طعام واحد ، وقد انسحب هذا الخلق اليوم على كثير من جوانب الحياة في المسكن وترتيب أثاثه ، والملابس وأشكال تفصيلها ، والمراكب وأنواعها ، وشأنهم في القضايا المعنوية نحوًا من ذلك ، فهم تواقون إلى الجديد من المعاني والأفكار والأساليب ، وصاروا يشعرون بجمود من لا يواكبهم في ذلك وقصوره ، وليس في التجديد ما يذم إذا تم مع المحافظة على الأصول والثوابت ، بل قد لا تتم المحافظة على الأصول إلا من خلال التجديد في الوسائل والأساليب ، حيث تعرض بأشكال تنسجم مع روح العصر .
ز- المعالجة العملية:
تقدم العلوم على الصعد العملية شكل حس الناس ومنطقهم العام ، في الميل إلى الواقعية والارتياح في الصيغ العملية ، ونظام الخطوات المتتابعة ، التي تسلم كل واحدة منها إلى الأخرى في الوصول إلى هدف أو حل مشكلة ، وصارت الحاجة ملحة إلى (كيف) ، ولم يعد طرح المبادئ كافيًا وحده ، فما عاد كافيًا الترديد لنحو:
لابد من رفع المستوى الخلقي لدى الفرد ، أو لابد لنشر الدعوة بين الناس ، بل أنت مطالب بأكثر من هذا ، مطالب ببيان الإمكانات المتاحة ، ثم بيان المنهج والخطط والأدوات التي يمكن استخدامها في الاستفادة من تلك الإمكانات ؛ وذلك لأن تعقد الأشياء وتشابكها يحتاج إلى نوع مكافئ من تعقد الفاعلية على مستوى الخطط والأساليب والأدوات .
ح -عدم قبول تفسير الظواهر الإنسانية بعامل واحد:
الإنسان ذو أبعاد فسيحة وأغوار عميقة ، وكل الظواهر التي تتصل به على درجة عالية من التعقيد في الأفكار والمبادئ والمواقف والعادات ، وفي الاجتماع والاقتصاد ... كل أولئك يتشكل ويتبلور نتيجة نسيج معقد من العوامل .
وإذا كان هذا هو الواقع فإن تفسير أية ظاهرة إنسانية وتعليلها بعلة مفردة غير صحيح ولا دقيق ؟ فلا يمكن أن يقال مثلًا إن الشعب الأفغاني صمد في وجه المحتلين بسبب إيمانه أو بسبب صعوبة تضاريس أرضه من جبال وكهوف ، أو بسبب رصيد الفطرة لديه ، أو بسبب العون الخارجي ..
إنه لم ينفرد سبب واحد من هذه الأسباب بولادة ظاهرة الصمود ، بل إنها جميعًا مع أسباب أخرى أسهمت في إيجاد وضع متميز يستمد تميزه من خصوصية شروطه وأسبابه . وهكذا ...
كيف نمتلك لغة العصر ؟
في العالم اليوم ما يسمى بثورة المعلومات مما يفرض على المثقف المسلم أن يرسم لنفسه خطة تثقيفية خاصة تناسب رغباته واختصاصه العلمي ، والمهمة التي ندب نفسه لها . والمشكلة الكبرى في عزوف كثير من الناس عن القراءة فأمة (اقرأ) ما عادت تقرأ مما خلق نوعًا من الخلخلة الثقافية في ساحتنا الفكرية ، وجعل كثيرًا من أهل الخير عاجزين عن فهم لغة العصر ، وإذا عزم المرء على القراءة فلابد له من القراءة الواسعة في شتى أنواع المطبوعات ، وعليه أن يقرأ لكل المدارس حتى لا يقع فريسة للانغلاق الفكري أو ضحية للأفكار الفقيرة التي تظهر في أساليب شتى .
ولابد لمن يريد أن يسير في طريق الانفتاح الثقافي من ثقافة شرعية أساسية يتمكن بها من تحديد الثوابت التي أكبر فضائلها دوامها واستقرارها ، حتى لا ينجرف مع نتاج المدارس والتيارات التي يقرأ لها .
كما لابد له من محاولة امتلاك منهج في التفكير يستند إلى وعي صحيح بأحداث الماضي ، ووعي جيد لظروف الحاضر ، حتى يتمكن من امتلاك رؤية واضحة لكيفية عمل سنن الله في الأنفس والآفاق . إن الذي يملك شذرات من المعلومات كمن يملك قطعًا من الذهب ، أما الذي يملك منهجًا ذا نماذج خاصة ، فإنه يمتلك مفتاح منجم من الذهب ، فإذا حصل على هذا وذاك فإن الانفتاح في الاطلاع يكون خيرًا كله ، وحينئذ يتجاوز الداعية مرحلة السيطرة على اللغة ليصبح من موجديها ومؤهليها ، ولكن لابد قبل الانهماك في القراءة من اختيار ما نقرأ ، فلنقرأ للعباقرة ، ولأولئك الذين يقدرون مسؤولية الكلمة ، والذين لا يدفعون بكتابهم إلى المطبعة إلا بعد الاعتقاد بأنه يشكل إضافة جديدة للفكر الإنساني .
3 -دوام نفعها:
إن الشجرة الطيبة التي ضربها الله تعالى مثلًا للكلمة الطيبة دائمة الثمار ، وديمومة عطائها نابعة من تناسق الصفتين السابقتين: ثبات الجذور ، وبسوق فروعها في جو السماء ، والكلمة التي لا جذور لها لا تستطيع أن تصنع شيئًا .
والأفكار التي تبثها قصيرة العمر كزهور الربيع ؛ والكلمة التي لا تنسجم مع لغة العصر لا تستطيع ملامسة أعماق الإنسان الذي تقرع سمعه ، والذي وصفناه بأنه بالغ التعقيد . وقد ملكتنا هذه الآيات الكريمة المقياس الذي نتعرف به على الكلمة الطيبة ، وهذا المقياس هو: ] تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ [ ، فنحن إذا أردنا من هذا المنظور أن نقيس أداء خطب الجمعة في عالمنا الإسلامي وآثارها في ترقية فهم الناس للإسلام والتزامهم به وجدنا أن أطنانًا من الورق تكتب أسبوعيًا دون أن تؤتي الثمار التي تتناسب مع حجم ذلك الجهد المبذول ، ونعني به خطأ الأسلوب .
إن مهمة المسلم أن يعيش عصره ويكون مؤثرًا لا متأثرًا ، وأن يكون له دور في صياغة لغة العصر .