فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 292

(1) احتقار الذات والنظرة الدونية إلى النفس، ومن العجيب في هذا الشأن أن كثيرين منا لا ينظرون إلى ما متعهم الله -جل وعلا- به من صحة ومال ووقت وذكاء.. ولا يقيمون له وزنًا، ولهذا فإنهم لا يشعرون بالامتنان لله تعالى، ولا يتخذون منه منطلقًا لتحسين أحوالهم، وهذا يسبب إشكالية كبيرة في الحقيقة. إذا تأملنا في تاريخ كل العظماء الذين بنوا أمجادهم بجهودهم، وقدموا للعالم أفضل الأفكار والمشروعات والخدمات، فإننا نجد شيئًا مشتركًا بينهم هو الثقة بالإمكانات الصغيرة التي بين أيديهم واستثمارها بفعالية عالية، مما جعل التوسع والانتقال إلى ما هو أكبر ممكنًا. إن الذين يعيشون في بيئات جاهلة ومحطمة وبائسة يعدون متخصصين بل بارعين في تلقين مفاهيم احتقار الذات، ولهذا فإن الأجيال الجديدة التي تعيش في تلك البيئات تواجه تحديًا ضخمًا، لا تستطيع الانتصار عليه من غير رؤية نماذج ممتازة تستلهم منا معاني الثقة والكفاح والسباحة ضد التيار، والمتعلمون والدعاة والشباب الخير الناجح هم المسؤولون عن تقديم تلك النماذج.

(2) الطموحات الصغيرة والرضا بالفتات والعيش على هامش الحياة، سمة أخرى من سمات النفوس الصغيرة، بل إني أقول: إن الطموحات الصغيرة تعني نفوسًا صغيرة، ونتائج متواضعة ومستقبلًا عاديًا. إن على الأسرة أن تعمل جاهدة في دلالة أبنائها على نقاط القوة لديهم وعلى المميزات التي يتمتعون بها والظروف الحسنة التي يعيشون فيها، وذلك من أجل توفير قدر جيد من الثقة بالنفس، وعلينا إلى جانب ذلك أن نقدم لهم كل الدعم الممكن في إكمال دراساتهم وإقامة مشروعاتهم وتمويل اختراعاتهم، وتقديم العون لما يحتاجون إليه من دورات وكتب وأسفار هادفة... ويأتي بعد ذلك دور المدرسة، وهي بما تملك من رؤية ووعي وخبرة تستطيع تقديم البرامج والوسائل والتفاصيل التي تفتح المجالات والآفاق أمام الطلاب ذوي الطموح العالي من أجل تشكيل بيئة جديدة فيما بعد.

الناس إذًا من جنس طموحاتهم ومن جنس اهتماماتهم أيضًا، وإن في إمكان كل واحد منا أن يتعرف على نفسه وهل هي صغيرة أو كبيرة، من خلال تعرفه على الأشياء التي تثير اهتمامه وتشكل مصدر همومه، فإذا كانت كبيرة ومتصلة بالآخرة ونفع الأمة فإنه ذو نفس كبيرة، وإذا كانت صغيرة وأنانية ومادية، فهو ذو نفس صغيرة، وأظن أنني لست بحاجة إلى القول: إن الدنيا صغيرة وكل ما فيها صغير، وإذا كانت طموحاتنا دنيوية محضة ومادية خالصة، فإنها لن تكون أبدًا كبيرة؛ إذ لا يمكن لجلد الشاة أن يتسع لناقة، ولهذا فإن من المهم جدًا أن نراجع النيات، وندقق في المعايير حتى لا ننساق خلف الأوهام، ونسير في طريق الأقزام!

(3) صاحب النفس الصغيرة يبدو دائمًا وكأنه في عجلة من أمره، خططه قصيرة المدى، ونفسه في العمل أيضًا قصيرة، وهو يريد أن يرى كل آماله وقد تحققت بين عشية وضحاها، وإذا صادفه بعض العقبات، فإنه يغير طريقه، وينتقل إلى مشروع جديد، وقد يغير بعض أهدافه الأساسية والكبرى.. على حين أن صاحب النفس الكبيرة يعرف أن طريق الكمال والإمامة والمعالي طريق طويل أولًا، ومملوء بالعقبات والأشواك والمنغصات ثانيًا، وإلاّ لصار كل الناس عظماء. لا أستطيع في هذا المقال أن أتحدث عن كل سمات النفوس الصغيرة، لكن أجدد الدعوى إلى مساعدة نفوسنا الكبيرة على الظهور والتألق من خلال إبعادنا لنفوسنا الصغيرة بكل ما فيها من نقص وعلل عن طريقها.

والله ولي التوفيق.

حول تنمية الشخصية (6)

د. عبد الكريم بكار … … … … …17/5/1428

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت