فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 292

(1) قالت العرب قديمًا: إن المحاصر لا يأتي بخير، أي إن الذي لا يملك سوى الدفاع عن نفسه من غير أي قدرة على الحركة والمناورة والمبادرة لا يُتوقع منه شيء عظيم أو استثنائي، وكل ساعة تمر عليه وهو محاصر تقلل من قدرته على الاستمرار في الدفاع وصد الخصوم والأعداء.. أيضًا المهمش والذي أدمن المواقف الدفاعية والمتترس خلف نظام لا يرى أن في إمكان العقل البشري إبداع أفضل منه كل هؤلاء سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف أشبه بالمحاصر، وهذا ما استوعبه المسلمون الأوائل على نحو جيد، فاتخذوا من نشر الإسلام في الأرض وسيلة لجعلهم في موقف المبادر وفي قلب الأحداث العالمية، وبذلك تجاوزوا موقف الجامد والمحاصر والمهمش والخائف من الجديد.

(2) مقاومة التهميش تتم من خلال الاعتقاد بأن ما لدينا من أوضاع ونظم ومعطيات ليس كاملًا، ولهذا فإننا نشعر أن في إمكاننا أن نتعلم من غيرنا، وأن لدى الآخرين شيئًا مفيدًا يمكن أن نتعلمه، وهذا الاعتقاد يشكل نقطة البداية، ويأتي بعد ذلك تأهيل النفس للسباحة في تيار قوي وسريع، وهذا التأهيل يقوم على الآتي:

? تعلم جيد والإنفاق بسخاء على الدراسة في مدارس وجامعات جيدة والحصول على أعلى الشهادات المتاحة.

? استقامة خلقية عالية، تجعل من صاحبها نموذجًا في الأمانة، وأهلًا للثقة، ومثالًا للمصداقية.

? محاولة العمل في مؤسسات وشركات (متعلمة) وذات تنظيم ممتاز؛ إذ إنها تكون أشبه بالجامعات التي تمنحك تدريبًا عاليًا، وإن العمل في بيئات مهترئة ومتخلفة يضع صاحبه في خانة المحاصر والمهمش سواء بسواء.

? العمل على فهم روح العصر؛ إذ إن كل حقبة زمنية تعد مجالًا لحركة أفكار وقيم وقوى معينة، وحين يستوعب المرء ذلك ولو على نحو منقوص فإنه يدفع عن نفسه شيئًا من التهميش على مستوى الوعي وعلى مستوى المعرفة. وأعتقد أن (الإعلام) المكتوب والمنظور والمسموع يشكل القوة الرئيسة الضاربة اليوم؛ وقد كان اليهود يقولون قبل قرن: من يملك المال يملك العالم، وهم يقولون اليوم: من يملك الإعلام يملك العالم، ومن هنا فإن المسلم المعاصر والذي يعيش فعلًا داخل تيار المعاصرة يحاول أن يستخدم الإعلام على أفضل وجه ممكن، وإذا لم يستطع، فإنه يحاول الاستفادة الشخصية من الإعلام على قدر الوسع والطاقة.

? الفاعلية والإنتاجية العالية شرطان مهمان لتفادي التهميش في زماننا؛ إذ إننا نعيش معركة شرسة على كل صعيد، وفي سوق العمل هناك عرض كبير وطلب قليل، والإنسان الفعّال جدًا وذو الإنتاجية العالية يستطيع الحصول على عمل جيد، أما العاديون فسيجدون وظائف هامشية ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف على هامش الحياة.

? العلاقات الحسنة مع الناس مصدر رزق والأخلاق الحسنة أيضًا مصدر رزق، والقدرة على العمل ضمن فريق صفة مهمة اليوم من صفات ذوي الإنجاز العالي، ولا بد من فهم كل هذا والعمل بمقتضاه.

والله الموفق.

حول تنمية الشخصية (5)

(الفكاك من الأسر)

د. عبد الكريم بكار 2/5/1428

الارتقاء بالذات أمر ممكن لجميع الناس دون استثناء، وذلك لأن الكمال والتقدم العقلي والروحي والاجتماعي لا منتهى له، وليس له حدود صارمة توقفه عند وضعية معينة. إذاًَ لماذا نجد أن معظم الناس غافلون عن تنمية شخصياتهم، بل إن بعضهم يعاني من تدهور في بعض جوانب حياته الخاصة؟!

الجواب ببساطة هو: أن الواحد منا يأتي إلى هذه الحياة وهو يملك عددًا كبيرًا من (القابليات) الإيجابية والسلبية، وهو في نشأته وانتقاله من طور إلى طور أشبه بمن يمشي في صحراء مترامية الأطراف شديدة الظلمة، وطرقها مملوءة بالحفر والأشواك والحجارة والوحوش.. ومن خلال الأهوال والمشاق التي يمر بها تتحول القابليات إلى انطباعات وتصوّرات وسلوكات تشكل شخصيته، وتحدد نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله، وتلك النظرة كثيرًا ما تميل إلى السلبية، لكن مع هذا لا يفقد الإنسان مرونته واستعداداته للاتجاه نحو ما هو أحسن وأكرم والاتجاه إلى ما هو أسوأ، لكن الزمن لا يسير في صالحه على هذا الصعيد، فهو كلما تقدم في السن زادت صلابته الذهنية وتحولت القابليات لديه إلى انطباعات وعادات وصار تخلصه من عاداته السلبية أشد صعوبة، إن في إمكاني أن أقول: إن لكل واحد منا نفسين: نفسًا صغيرة ناجزة لكنها مكبلة بالأوهام والخوف واليأس والعجز... ونفسًا كبيرة تحت التأسيس، لا تظهر ولا ننعم بها إلاّ إذا قمنا بإثارة عاصفة كبرى من خلال طموحاتنا الكبيرة ومن خلال ما نملكه من جدية وعزيمة وإصرار وتصميم.. والمطلوب هو أن نبعد نفوسنا الصغيرة عن طريق نفوسنا الكبيرة؛ إذ إن ذلك الإبعاد يشكل شرطًا لظهور إمكاناتنا الكبرى المتوارية والمتربصة والمتوثبة نحو التجسد في أشياء عظيمة ملموسة ومنظورة. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما سمات النفوس الصغيرة التي علينا أن نتخلص منها؟

إن سمات نفوسنا الصغيرة تتلخص في الآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت