فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 292

1-على المرء أن يصوغ ما لديه من أفكار ومشاعر وانطباعات وملاحظات ومشاعر في تعبيرات وجمل واضحة ومنظمة ومسلسلة، وذلك بغية الرجوع إليها عند إرادة التفكير في الشأن الشخصي تمامًا، كما تفعل مؤسسة تجارية حين تعد تقريرًا عن أوضاعها العامة من أجل مناقشته في اجتماع من الاجتماعات المهمة. وقد كان كثير من الشباب يسجلون ذكرياتهم في دفاتر صغيرة ليستمتعوا بقراءتها في يوم من الأيام، ونحن نريد أكثر من ذلك وأنفع، نريد بيانًا واضحًا عن انطباعاتنا وطموحاتنا وعن مشاعرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين، لنجعل من ذلك البيان دليلًا للعمل الشخصي، وهذا ليس بالعسير، ولكن علينا أن نعتقد أن البيان الذي سنصوغه هو بيان اجتهادي تم الوصول إليه باستخدام أدوات قاصرة، ولهذا فهو قابل للتعديل والمراجعة والتطوير.

2-نوع اللوم الذي يتلقاه المرء من نفسه على أعماله يؤشر بوضوح إلى أحواله وأوضاعه، فهناك مسلم تلومه نفسه لأنه لا يصلي، وهو يشعر بالتقصير الشديد، وهناك مسلم تلومه نفسه على قلة ذهابه إلى المسجد، وهناك من تلومه نفسه لأنه لم يدرك تكبيرة الإحرام.. أيضًا هناك طالب يعنّف نفسه لأنه رسب، وطالب يعنف نفسه لأنه لم ينجح بتقدير ممتاز، وطالب يعنف نفسه لأنه لم ينل شهادة تقدير في آخر العام وهكذا.. وفي إمكان المرء أن يتعرف على مدى ما يحرزه من تقدم على صعيده الشخصي من خلال فحص حركة لوم نفسه له، فإن وجد أنها تتجه نحو التوبيخ على أشياء صغيرة ودقيقة فليحمد الله تعالى، وإن وجد أنها تتجه نحو التوبيخ على التقصير في فرائض وواجبات ونحو الوقوع في كبائر وموبقات فليتوقف فورًا وليعمل على إنقاذ نفسه من غضب الله ومقته.

3-تشكل المقارنة وسيلة أساسية في فهم الوجود عامة وفهم الذات خاصة؛ إذ إن في إمكان المرء أن يقارن أوضاعه وإنجازاته بأوضاع وإنجازات أشخاص آخرين يعيشون في ظروف مشابهة لظروفه، ولديهم معطيات قريبة من المعطيات التي في حوزته: طالب من أسرة فقيرة يقارن نتائج اختباراته بطالب من أسرة فقيرة - مثلًا- مع ملاحظة مستوى الذكاء والخلفية الثقافية، وموظف في مؤسسة يقارن إنجازاته ووضعه الوظيفي ومدى نجاحه ورضا رؤسائه عنه.. بما لدى زميل له في ظروف مشابهة وهكذا..

إن زيادة الوعي الذاتي تتطلب أن نطور حساسيتنا تجاه سلوكنا اليومي لنعرف ما فيه من عمل يدعو إلى الحمد والاعتزاز، وما فيه من عمل يتطلب المراجعة والتوبة والإصلاح. الاهتمام والملاحظة واليقظة الذهنية والشعورية أدوات مهمة في فهم أنفسنا وفهم العالم، وعلينا أن ننمي هذه الأدوات، ونستخدمها من أجل الحصول على أعلى درجة من الاستبصار الذاتي، والله ولي التوفيق.

حول تنمية الشخصية (4)

(مقاومة التهميش)

د. عبد الكريم بكار 16/4/1428

نحن نعيش في عصر المعادلات الصعبة؛ إذ إننا كثيرًا ما نجد أنفسنا مخيرين بين أمرين، أحلاهما مر، وهذا بسبب التغير السريع الذي يحتاج كل شيء، وبسبب كثرة العوامل المؤثرة في حياتنا العامة.

حين كان الناس يعيشون في الصحارى والقرى الصغيرة، كانوا مغمورين بمشاعر العزلة، لكن تلك العزلة كانت تمنحهم شعورًا قويًا بالاستقلال والسيطرة على البيئة المحلية، كما أن العزلة كانت توفر حماية طبيعية لكل العناصر الضعيفة. اليوم اختلف كل شيء؛ إذ إن ثورة الاتصالات جعلت العالم أكثر ترابطًا، وصار من الممكن أن يجوع إنسان في أقصى الشرق بسبب قرار اتخذه إنسان في أقصى الغرب! من المهم أن ندرك أننا نعيش في عالم مملوء بالأخطار، وليس هناك وضعية آمنة على نحو كامل، كما أنه ليس هناك قرار ليس له سلبيات، والتحدي يكمن في أن نتخذ القرار الأكثر إيجابية ونفعًا والأقل ضررًا.

إذا اتخذنا قرارًا بالانفتاح على العالم وبالاندماج مع أفكار العصر وتطلعاته فإننا نواجه مخاطر الذوبان وفقد الهوية وإضاعة الاتجاه والأهداف الكبرى، كما أننا نكون قد أسلمنا قيادنا لقوى غاشمة ليس لبغيها وشرورها حدود، وإذا سرنا في طريق الانعزال، وركزنا أكثر على الخصوصية، وسيطرت علينا هواجس الخوف من الأشياء الجديدة، فإننا نعرض أنفسنا لمخاطر التهميش، فنصبح أشبه بسكان قرية على طريق سريع، نزحوا منها إلى السكنى في مكان بعيد لا يرون فيه غريبًا ولا يراهم أحد. نحن لا نؤمن بالانفتاح المطلق؛ لأنه يعرض شبابنا ومصالحنا لمخاطر هائلة، لا يمكن مقاومتها، ولا نؤمن بالعزلة؛ لأنها ستخرجنا من سياق العصر، وتؤدي بنا إلى الضعف الذي يأتي بمخاطر الذل والاستعباد من قبل من يملكون روح العصر وأدواته.

إذًا ما الذي علينا أن نعمله؟ وما الموقف الصحيح في هذه المسألة الشائكة؟

الجواب يكمن في ضرورة الاتجاه إلى الانفتاح المحدود وإلى قبول تحديات العصر والتفاعل معها عبر فهم دقيق لما يجري حولنا وعبر محاولة امتلاك الأخلاقيات التي تمكننا من أن نعيش زماننا في إطار مبادئنا، وهذه بعض الملاحظات السريعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت