2-في الماضي كانت الأمور في العمل والأسرة وحتى العلاقات العامة -تُدار على أساس الترغيب والترهيب واعتماد سياسة (العصا والجزرة) ، وقد كانت تلك السياسات مبنية على معطيات تاريخية وتجارب غير مكتملة، وهي جزء من فلسفة قديمة تعتمد التحكم المطلق بكل بشيء، وذلك يأخذ بعين الاعتبار هواجس الطبائع والمصالح المتنافرة. أما اليوم فإن الأمر بدأ يختلف شيئًا فشيئًا؛ والحقيقة أن نظام المكافآت والعقوبات سيظل ساري المفعول لدى بعض الأسر والمؤسسات على الأقل، لكن يُلاحظ توجه جديد على صعيد التربية والعلاقات والتوظيف، وهذا التوجه يقوم على أساس الثقة بالناس وإطلاق إمكاناتهم الداخلية، وإيجاد صيغ جديدة تؤدي إلى توحيد المصالح عوضًا عن تنافرها وتصادمها، وهكذا فإن على رب الأسرة وعلى الأم كذلك العمل على تعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم، وعلى تدعيم الوازع الداخلي لديهم وحفزهم على أداء واجباتهم دون الحاجة إلى المتابعة والرقابة، وقلّ مثل هذا في قطاع الأعمال والوظائف، وهذا أيضًا تطوّر إيجابيّ، وهو يتناسب مع تكريم الله -تعالى- للإنسان ومع طبيعة الإيمان الذي من شأنه دائمًا حفز المسلم على فعل ما هو أحسن وأفضل، والكفّ عن كل ما هو سيّئ وشرير، وإن علينا أن نطوّر في أفكارنا وأساليب تربيتنا وإرادتنا بما يستجيب لهذا اللون من نبض العصر، إذا ما أردنا أن نظل قريبين من التطورات الحديثة المتتابعة، وأردنا أيضًا أن نستفيد منها على الوجه الصحيح.
حول تنمية الشخصية
(مزيد من الوعي)
د. عبد الكريم بكار 27/3/1428
تنطلق جهود تنمية الشخصية من نقطة جوهرية، هي التعرف على الذات والوعي بها، وهذه المهمة تبدو لي وكأنها من السهل الممتنع، وذلك يعود أساسًا إلى هشاشة المعايير والمقاييس التي نتعرف على أنفسنا من خلالها؛إذ إن كل واحد منا يظل قادرًا على القول: إنه أدرى بنفسه، وأعلم بعلله ونقاط ضعفه، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن حين نعرف أن الواحد منا لا يعيش في جزيرة معزولة، وأن إنجازاته وعلاقاته تتعرض للتقييم والنقد من قبل الآخرين، ونعرف أن هناك معايير دقيقة للتعرف على كفاءة الشخصية، وتلك المعايير قد لا تكون معروفة لدينا على نحو جيد، حين نعرف كل ذلك يبدأ اكتشافنا لتعقيدات الوعي الذاتي والتبصر الشخصي. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو: أين بداية رحلة التعرف على الذات، وما الأدوات التي يمكن أن نستخدمها في ذلك؟
وأقول في الإجابة عن الشق الأول من السؤال ما يلي:
(1) من المهم أن ندرك أن الحصول على أكبر قدر من الوعي الذاتي يشكل شيئًا مهمًا على طريق القيام بأمر الله تعالى وعلى طريق إصلاح النفس، ومن الواضح أن من يغلب عليه الجهل والطيش، يعاني من فقر مدقع في القدرة على نقد الذات وبيان محاسنها وعيوبها، وحين تطلب من أحد الأميين أن يحدثك عن نفسه، فإنه يطلب منك أن تتحدث عما تراه فيه، أو يتحدث بحديث لا يخلو من السطحية والتحيز والتفاهة. إذًا هل أستطيع القول: إن ما لدى المرء من مستوى معرفي ومن تحصيل علمي هو الذي يتحكم بقدرته على رؤية ذاته؟ هذا هو الظاهر، والقرآن الكريم يؤنب في غير موضع أولئك الذين فقدوا الإحساس والشعور بأوضاعهم وبما يدور حولهم، وفي هذا يقول سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) . [سورة البقرة:11-12] .
ويقول سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [سورة البقرة:19] ، وقال: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [سورة النحل:20-21] .
نحن نتوقع أن يتحسن وعي الناس بأنفسهم بسبب الحوارات والنقاشات الكثيرة التي نراها في الفضائيات وبسبب تراجع نسبة الأمية في كثير من البلدان.
(2) إن السعي إلى المزيد من الوعي الذاتي كثيرًا ما يتطلب منا الاعتراف بأن ما نجهله عن أنفسنا أكثر مما نعرفه، والغرور والعجب هو الذي يصرفنا عن هذا الاعتراف، وحتى نتأكد أننا لا نعرف عن أنفسنا إلاّ القليل، فليحاول كل واحد منا أن يتساءل عن نقاط القوة في شخصيته وعن نقاط الضعف، وليحاول العثور على خمس نقاط في كل جانب، وسيجد أن ما سيقوله غير واضح وغير قطعي، ويقبل الكثير من الجدل والأخذ والرد.
(3) بناء على هذا فإننا في حاجة إلى اعتماد أسلوب التدرج في اكتشاف أنفسنا، وعلينا الاستمرار في ذلك، وهذا يحتاج إلى أن ننمي في داخل أنفسنا درجة عالية من النفور من الغموض والعماء، وأن نكافح بعناد من أجل رؤية أنفسنا ورؤية الأشياء من حولنا على النحو الصحيح. وأقول في الإجابة عن التساؤل حول الأدوات التي يمكن استخدامها في الوعي الذاتي ما يلي: