فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 292

شيء مهم أن نعتقد أنّ من سنن الله -تعالى- في الخلق أنّ هناك أشياء لا تُحصى تحتاج إلى صياغة، وإلى إعادة صياغة، وأشياء كثيرة أيضًا لا تُحصى تحتاج إلى تأهيل وإلى إعادة تأهيل. كل مادة خام تتحدّانا كي نخرجها في شكل ينتفع به الناس. القطن يتحدّى من يحوِّله إلى خيوط، فإذا صار خيوطًا، أخذت الخيوط تتحدّى من يحوِّلها إلى قماش، فإذا قبلنا التحدّي، ونسجناها، وصارت قماشًا، صار القماش يتحدّى الخياطين ليحوّلوه إلى ثياب تدفع عنا الحر والبرد، وتحسِّن مظهرنا، كما تستر عوراتنا، هكذا كلما نجحنا في تحدٍّ، وجدنا تحدّيًا آخر ينتظرنا، ومع كل نجاح نرتقي، ونتقدم، ونتخلص من عبء المواد الخام التي تشكّل مصدر استفزاز لأولي الألباب. هل تريد أن تعرف الفارق بين الأمم القوية والأمم الضعيفة؟ إذا كنت تريد ذلك، فانظر إلى ما يصدّرونه ويستوردونه: الأمم القوية تستورد المواد الخام، وتصنّعها، ثم تصدّرها في شكل سلع ومنتجات باهظة الثمن، يشترون المواد الخام بالقنطار، ويبيعونها في شكل حبوب ومعلبات صغيرة وقطع دقيقة ومتقنة... أما الدول الضعيفة والآخذة في النمو، فإنها على العكس من ذلك؛ إنها تصدّر المواد الخام، وتستورد السلع والآلات والتجهيزات... أي أنها تستورد ما صدَّرته بسبب عجزها عن تصنيعه.

الفرد المسلم هو القوة الهائلة الأساسية التي تحتاج إلى إعادة صياغة، أي يحتاج إلى تحويل من قوة كامنة إلى قوة ملموسة وفاعلة ومؤثرة، إعادة صياغة الفرد تستلزم الكثير من العمل، لكن يمكن أن نذكر بعض الملامح الأساسية في هذا الشأن:

1-الإنسان الحر هو الإنسان القوي؛ لأن الحرية تسمح له بأن يبرع وينطلق ويتعلم، ويعبر، ويتحمل المسؤولية، ومع أن معظم المسلمين في الأرض يعانون من قدر من القهر والإذلال والكبت -على درجات مختلفة- إلا أن كلمة (الحرية) تخيفنا أكثر مما تخيفنا كلمات (الظلم) و (العسف) و (الإكراه) و (الاستبداد) لماذا هذه الوضعية؟ لا أريد أن أدخل في متاهات صغيرة وفي تحليلات جزئية؛ لكن ربما كان ذلك؛ لأن كثيرين من أهل الغيرة يخشون من أن تؤدي الحرية إلى الفوضى وانتشار الإلحاد والفساد والعري وكل أشكال الانحلال. وهذا اعتراف صريح أو اهتمام بأن البيوت والمدارس لا تربي، وبأن الضمير والوازع الشخصي لدى الشباب، هو ما بين ضعيف ومعدوم، وأن ما نراه من الانضباط في الشوارع والأماكن العامة لا يعدو أن يكون الوجه الجيد من العملية، أما الوجه الرديء، فهو قابع في البيوت، حيث لا خوف من نقد الناس ولا من عقاب الله -تعالى- وإذا كان هذا صحيحًا، فهذا يعني أننا نعاني من نوع من السرطان القاتل الذي يدفع بصاحبه إلى مرحلة (اللاعودة) من غير أن يشعر بأي ألم!! لا أحد يسعد بأن يفهم الناس الحرية على أنها الفوضى، أو الخروج على الأخلاق والقيم والفضائل والثوابت، إنما المراد بأن يكون الأصل في سلوكات الناس وتصرّفاتهم وعلاقاتهم وتعبيراتهم ومواقفهم واختياراتهم هو الجواز، كما قالت القاعدة الفقهية الشهيرة:"الأصل في الأشياء الإباحة"، فإذا منع مانع شرعي واضح ومتفق عليه، أو كان تصرف الناس يضر بمصلحة وطنية عليا وواضحة، فإن على الدولة والمجتمع أن يتعاونا على منع ذلك التصرف. لا شك أن اعتماد هذا التوجُّه يستلزم الكثير من التطبيقات الجديدة والتغييرات المهمة، ولا شك أن بعض الناس سوف يستغلون مناخ الحرية استغلالًا سيئًا، لكن الأضرار ستظل أقل بكثير من شعور الناس بالاختناق وبالقيود الثقيلة، التي تجرّدهم من روح المبادرة وتحمّل المسؤولية، وتضعف لديهم الرقابة الشخصية، وتحوّلهم إلى أناس خائفين حذرين، يتجرّعون الهموم، كما يصبحون عبارة عن كائنات استهلاكية بامتياز! والنتيجة طبعًا مجتمعات ضعيفة وأمة مستخذية! إنك فعلًا لا تستطيع أن تبني مجتمعًا أقوى من مجموع أفراده، تمامًا كما أنك لا تستطيع أن تبني من لبنات هشّة جدارًا صلبًا. لنعد إلى التربية في البيوت من أجل تأسيس شخصية (الطفل الحر) من خلال اعتماد أسلوب الرفق واللطف والحوار في التربية، ومن خلال معاملة الطفل على أنه كائن محترم، والعمل على أن يكون رجلًا كريمًا ومسؤولًا وعزيزًا وصادقًا وأبيًا.. في المستقبل.

2-لا يمكن للفرد أن يكون قويًا أو بداية مشروع لأمة قوية وعزيزة إذا كان جاهلًا. نعم من لديه علم قد يكون قويًا، وقد يكون ضعيفًا، لكن الجاهل لا يكون إلا ضعيفًا. نحن في هذه المسألة نعاني من مشكلة ذات رؤوس ثلاثة هي:

أ- إعراض معظم الناشئة عن القراءة، ونفورهم من الكتاب، وانصرافهم عن كل ما يشكّل اهتمامًا معرفيًا.

ب- ضعف أكثر المؤسسات التعليمية في كل المراحل؛ ولا سيما الجامعية.

ج- عدم وجود التنوّع الكافي في المعاهد والكليات العليا بما يلي حاجات الشباب الراغب في إكمال دراسته، وبما يتلاءم مع رغباتهم وظروفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت