وهذه المشكلة جعلت الارتقاء بنوعية الوظائف والمهن التي يشغلها الجيل الجديد أمرًا صعبًا، مع أن من الصعب اليوم الارتقاء بأمة من الأمم من غير جعل نسبة عالية من الوظائف على صلة بالمعارف المتقدمة والتقنية الدقيقة. الفرد القوي فرد حرّ ملتزم ومتعلم ومتدرب، وإذا استطعنا أن نحدث اختراقًا على هذين الصعيدين، فإن لنا أن نتفاءل بولادة أمة قوية وعزيزة.
صِياغة القوّة (3)
د. عبد الكريم بكار 30/7/1427
المواهب الفطرية والقدرات الخلْقية التي زوَّد بها البارئ -عز وجل- بني البشر تكاد تكون ثابتة على مدى التاريخ. وقد ظل الناس في كل زمان ومكان يحاولون الاستفادة من تلك القدرات وتوظيفها وصقلها... لكن يبدو أن محاولاتهم كانت دائمًا تحقق نوعًا من النجاح النسبي والمحدود. وربما أمكننا القول: إن الناس كانوا يستفيدون من قدراتهم الكامنة على مقدار حاجتهم وعلى مقدار تطور وعيهم ومعارفهم؛ ولذا فإن استغلالنا اليوم لطاقاتنا يُعدّ -في الجملة وعلى نحو عام- ممتازًا إذا ما قسناه إلى ما كان السابقون يفعلونه، وهذا لا يحتاج إلى برهان. السؤال الذي أطرحه، وأحاول الإجابة عنه هو:
ما أكثر الأشياء تأثيرًا في تحويل القوى والقدرات الكامنة لتصبح مكونات قوية وظاهرة في أسلوب حياة جديدة؟
الجواب فيما أظن يكمن في شيئين: المكان الذي يعيش فيه الإنسان، والمهنة أو الوظيفة التي يكسب منها رزقه. وقبل أن أشرع في شرح هذين الأمرين أود أن أقول: إننا هنا لا نتكلم عن حالات فردية أو شاذة، وإنما نتكلم عن ظواهر ومعطيات ووضعيات عامة فقد نجد في البيئة المثقفة والراقية عناصر في منتهى السوء، كما أننا قد نجد في أماكن العمل المعقدة أشخاصًا غير مؤهلين، أو يفكرون بطريقة رديئة، أو يعملون على نحو تخريبي...
مكان العيش:
نعني بمكان العيش هنا تلك السلسلة من الدوائر التي ينفتح بعضها على بعض، وتؤثر على نحو ما في صياغة روح الإنسان ومشاعره وأفكاره وأخلاقه وعاداته... والتي تتمثل في الأسرة والحي والقرية والمدينة والدولة والإقليم. إن أضيق الدوائر هي الأقوى تأثيرًا، وهي الأسرة ثم الأوسع، فالأوسع. لكن ينبغي أن يُقال أيضًا: إن المرء يتأثر في بعض جوانب حياته بالمدرسة والجامعة التي يدرس فيها، وذلك على مستوى طرق التفكير وفهم الحياة والتطلع إلى المستقبل. إن للأسرة الدور الأكبر في رسم الخطوط العميقة في شخصية الطفل، لكن قيامها بذلك الدور على نحو يجعل منه شخصًا متميزًا، يحتاج منها إلى أن توفر جوًا تربويًا يختلف كثيرًا عن الأجواء السائدة لدى معظم الأسر الإسلامية اليوم. وأودّ في هذا السياق أن أبدي الملحوظات الآتية:
1-إن أول ما تحتاجه الأسرة المسلمة من أجل تنشئة جيل جديد هو الاعتقاد بأن التربية الناجحة لا تتحقق من غير اكتساب معرفة تربوية جيدة، فقد أُصبْنا في الأزمنة الغابرة بأفدح الأضرار حين اعتقدنا أن تربية الإنسان تتم على نحو تلقائي وفطري كما تتم تربية الحيوان في البراري، ولذلك فإن معظم الآباء والأمهات يبذلون الكثير من المال والجهد من أجل تهيئة أنفسهم لاستقبال المواليد الجدد، ويملك الكثيرون منهم العزيمة لإنجاب عشرة من الولد دون أن يخطر في بالهم شراء كتاب في التربية، أو سماع محاضرة أو شريط (كاسيت) ، أو سؤال خبير من أجل معرفة الطرق والأساليب التربوية الصحيحة، ومعرفة نوعية القيم والمفاهيم التي ينبغي زرعها في نفوس الأطفال وعقولهم! لهذا فإن نشر الثقافة التربوية الجيدة يشكل أولوية كبرى على صعيد صياغة قوة الأمة.