2-ينظر كثيرون منا إلى التربية على أنها عملية تعليمية، فهم يعتقدون أنهم إذا وضّحوا للطفل الخطأ من الصواب، فإن سلوكه سوف يتغير؛ لأن مشكلته كانت الجهل بذلك، وهذا غير صحيح؛ فالتربية في جوهرها عبارة عن تفاعل الصغار مع المعطيات الراسخة في بيئتهم، وليست عملية تلقين يقوم بها الكبار، أو عملية استفادة معرفية ينجزها الصغار. الأطفال يتفاعلون مع اتجاهاتنا ومشاعرنا وسلوكاتنا، ومع أسلوبنا في الحياة. ولعلي أقرّب المسألة عن طريق هذا المثال: لو كان أمامي نبتتان محتاجتان إلى الماء، وقمْت بسقي إحداهما دون أن أتكلم، أما الثانية فناشدتها أن ترتوي، وأن تكبر وتنمو، وحدثتها عن فوائد الماء وضرورة الانتعاش... ما النتيجة المتوقعة لذلك؟ النتيجة معروفة، وهي نمو الأولى وذبول الثانية. وذلك لأن الأشجار لا تتفاعل مع النصائح كيلا تيبس وتموت، وإنما تتفاعل مع الماء العذب. هكذا الأطفال يحتاجون إلى بيئة يتشربون مفاهيمها وقيمها وعاداتها الكريمة والعظيمة، ولا يغني عنها فصاحة الفصحاء ولا علم العلماء. ماذا يعني هذا الكلام؟ إنه لا يعني سوى شيء واحد هو: أن التربية الجيدة تحتاج إلى بيئة جيدة، والبيئة الجيدة تتطلب مربين جيدين. وأعتقد أن علينا إيقاف التداعيات والإحالات المترتبة على سوء أوضاعنا السلوكية عن طريق عقد العزم على شيء جوهري وعظيم، هو أن نجتهد ونحن نربي أبناءنا في تهذيب أنفسنا وإصلاح أوضاعنا الأسرية. إن الذي نحتاجه ليس الالتزام بآداب الشريعة الغراء والوقوف عند حدود الله -تعالى- فحسب، وإنما توفير البيئة الأسرية المدرسية التي تساعد الصغار على اكتشاف أنفسهم واستثمار نقاط التفوق لديهم،كما تولّد في نفوسهم روح الأمل والمبادرة وخُلُق التضحية والعطاء والمثابرة.
إن الطريق إلى إخراج الأمة من حالة (الوهن) التي أشار إليها حديث (القصعة) صار واضحًا، لكن نحتاج من أجل المسير فيه إلى الإخلاص والصدق والعزيمة، وإلى شيء من المعرفة بمتطلبات العيش في زمان كزماننا.
صياغة القوة (4)
د. عبد الكريم بكار 18/8/1427
المكان الذي يعيش فيه الإنسان هو أسرته أولًا، والمدرسة والجامعة التي يدرس فيها ثانيًا؛ إذ إنه يقضي في المؤسسات التعليمية جزءًا مهمًا من حياته، وقد كنت أشرت في المقال السابق إلى أهمية الأسرة في صياغة الإنسان، وأتحدث اليوم -بحول الله- عن المؤسسة التعليمية على نحو موجز عبر النقاط الآتية:
1-من المهم ألاّ نفصل بين العمل التربوي الذي تقوم به الأسر في البيوت وبين العمل التعليمي والتربوي الذي يقوم به المعلمون في المدارس، مادام الجميع يعمل على إيصال رسالة واحدة، ويستهدف صياغة جيل جديد وفق مواصفات موحدة. إن مدارسنا لن تعمل على نحو جيد إذا لم تتلق الدعم من الأسر، من خلال سلوكها التربوي. وفي هذا السياق أود أن أشير إلى أن القضاء على الازدواجية في شخصيات الناشئة، يتطلب العمل الجاد والمستمر على صعيد تكوين (المجتمع العلمي) . المجتمع العلمي ليس هو المجتمع الذي يبني المدارس والجامعات؛ إذ إن كل المجتمعات اليوم تفعل ذلك، إنما المجتمع العلمي هو الذي يحاول جعل سلوكاته في حركته اليومية قريبة مما يلقنه لصغاره في المدارس، فإذا كان يعلِّمهم الحرص على الصدق والعدل والنظام والنظافة والجدية... فإنه يحاول من خلال النظم والقوانين التي يسنّها، ومن خلال العادات والتقاليد التي يتمسك بها- يحاول تمثّل تلك القيم وتجسيدها في سلوكاته وعلاقاته. كما أن الناس في المجتمع العلمي يتجاوبون مع ما يلقّنونه لأطفالهم في المدارس فيما يتعلق بالرذائل والمعاصي والسلبيات، حيث الحرص على تجنب الكذب والظلم والفوضى والكسل والتسويف وخلف الوعد... وأعتقد أن هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم.