فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 292

2-يتحدث المصلحون ومفكرو النهضة اليوم عما يمكن أن نسميه (المجال القائد) أي المجال الأكثر جدارة بالتركيز وباستثمار الإمكانات المتاحة فيه بسبب محوريته، وقدرته على قيادة باقي المجالات على طريق التقدم والازدهار، ويرى كثير من الباحثين في المجال الحضاري أن قطاع (التعليم) بكل مراحله هو أولى القطاعات بأن يكون نقطة الانطلاق، ومحل التركيز والاهتمام. وهذه الرؤية صحيحة؛ لأن هذا الكمّ الضخم من المعرفة المنظمة قد أتاح للتعليم مكانة فريدة على صعيد التغيير والإصلاح، بل إن كل مجالات الحياة من السياسة والاقتصاد إلى الصناعة والاختراع، إلى العلاقات الدولية... إن كل هذه المجالات لا يمكن اليوم إدخال تحسينات مهمة عليها من غير أشخاص متعلمين تعليمًا ممتازًا، يقومون بتحديد نظمها، وبعث الروح فيها، قد ثبت اليوم بما لا يدع مجالًا للشك أن التقدم المادي بكل أشكاله سيقف في نهاية المطاف عند حدود لا يتعداها، ثم يصير إلى التراجع، تمامًا، كما هو شأن أجسامنا. أما التقدم العقلي والروحي والفكري والخلقي، فلا حدود له يتوقف عندها، وليس هناك قيود تحدّد إيقاعه، وهذا ما ينبغي أن يعمل عليه التعليم في مراحله المختلفة. إن هناك من الدراسات ما يشير إلى أن البشرية لم تستخدم من طاقاتها الذهنية التي زوّدها الخالق -جل وعز- بها سوى 1% ! ولا شك أن بعض الشعوب لم تستخدم من تلك الطاقات سوى واحد في الألف أو واحد في العشرة آلاف!

3-لدينا إجماع بأننا لا نعلِّم بالطريقة التي ينبغي أن نعلم بها، وأسباب ذلك متنوعة تنوعًا كبيرًا، ولا أريد الخوض في هذا الأمر الآن، لكن أود أن نركِّز على بعض الإجراءات الأساسية والكبرى التي تساعد على تطوير المناخ العام للتعليم.

من هذه الإجراءات تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم، وتقديم الإغراءات له، مثل تقديم قطع كبيرة من الأرض من أجل تشييد المدارس والجامعات -مجانًا، ومثل تقديم قروض لا ربوية، وتقديم المشورة الفنية... لكن لابد مع هذا من أن تقوم الحكومات والجهات المانحة من وضع معايير صارمة وواضحة للجودة، مع ممارسة الرقابة المستمرة، وإلاّ تحوّلت هذه المهنة الإنسانية العظيمة إلى مجال يجذب الجشعين والمزوِّرين وكل أشكال الطفيلبين، كما هو حاصل الآن في كثير من البلدان؛ مع الأسف الشديد! لماذا لا نقوم بوضع معايير ومواصفات لأداء الجامعات والثانويات والمعاهد في المرحلة الأولى، وعلى أساسها يعرف الناس أن الجامعة التي يدرس فيها أبناؤهم هي الثالثة على مستوى البلد أو الأولى أو العاشرة... وقُلْ مثل هذا في الثانويات والمعاهد. إن مثل هذا التصنيف سيوجد حافزًا قويًا للرقي، وسيحمي الأهالي والطلاب من ألوان الخداع التي تمارسها بعض المؤسسات التعليمية. كما نجحنا في تصنيف الفنادق والنوادي الرياضية، فإن من الممكن أن ننجح في هذا. وقد سبقتنا أمم كثيرة إلى هذا، وقد أثبت نجاعته، وإذا كنا سنكِل تطبيق مثل هذا العمل لبعض الموظفين الوالغين في الرشوة والمال الحرام، فلنستعِن ببعض المنظمات والهيئات والمؤسسات العالمية ذات الخبرة العريقة، ومع ما في هذا من اتهام الذات إلاّ أنه يظل أفضل من الانتقال من مستنقع إلى مستنقع آخر!

4-لا تصبح المؤسسات التعليمية مكانًا جيدًا لصياغة القوة وتحرير الطاقات الكامنة من غير تعزيز التدريب وورش العمل وتحسين مستوى التفاعل بين الأساتذة والطلاب. والحقيقة أن المؤسسات التعليمية التي تقدم تدريبًا تعليميًا لدينا ضئيلة جدًا، والتي تقدم تدريبًا ممتازًا شبه معدومة، وهذا يعود أحيانًا إلى التكاليف الباهظة للتدريب، وأحيانًا إلى الفهم الخاطئ للأسلوب الأنجع في التكوين العلمي. حين يشرح طبيب حالة أحد المرضى لخمسين من طلابه، فإن لك أن تقول: إن الذين يستفيدون من ذلك الشرح هم في حدود العشرة، أما الباقون، فهم أشبه بالمتفرجين! وحين يتخرج طالب الإعلام، وقد قرأ الكثير عن النظريات الإعلامية لكن لم يمارس الكتابة الصحفية، ولم يتدرب في أي مؤسسة إعلامية، فإنه يكون الشبه بمن قرأ عشرين كتابًا في الإعلام، وهو في بيت أهله، لكن له ميزة الشهادة التي يحملها، وإن كانت موشّاه بالكثير من اليأس والإحباط! إذا كنا غير قادرين على الإبداع، فسيكون من فضائلها الاعتقاد بأن لدى الآخرين شيئًا يمكن أن نتعلمه، فهل نفعل ذلك

صياغة القوّة (5)

د. عبد الكريم بكار 12/9/1427

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت