2-إن تنوع الأنساق المكونة للثقافة يحيل دائمًا على إمكانية حدوث الصدام والنزاع، كما هو الشأن في التنوّع والتعدّد. ويبدو أن أشد أنواع التوتر تلك التي تقع بين الثقافة بوصفها (هُوِيّة) وسمات خاصة بالأمة، وبين الثقافة بوصفها تعبيرات عن نَزَعات استهلاكية أو تعبيرات عن تحرّكات لتلبية حاجات الجسد، أو تعبيرات عن التكيف مع ظروف ومعطيات شديدة القسوة. وكلّما أوغل الناس في مدارج الحضارة اشتد أُوار الصراع بين هذين النسقين من أنساق الثقافة؛ ذلك لأن ثقافة الهُويّة تتسم بالتعالي عن الانشغال بالواقع، وتنزع نحو المطلق. على حين أن التحضر يزيد وعي الناس نحو مصالحهم، ويفتح شهيّتهم على الاستهلاك، مما يفضي في نهاية المطاف إلى تضخم الثقافة المتعلّقة بتسيير الحياة اليومية وتحقيق المنافع الشخصية، وهذا يجعل الناس يشعرون ويظهرون بأنهم أكثر دنيويّة، وهو ما يثير حساسيّة الترميزات العميقة للهُويّة في الثقافة الإسلاميّة.
من الواضح اليوم أن ثقافة ما بعد الحداثة تشجع على انبعاث الهُويّات في كل أنحاء العالم من خلال عمل غير مقصود، وهو المناداة بالنسبيّة الثقافيّة والتأكيد على انعدام الأطر والمرجعيّات، وجعل الحقيقة شيئًا تابعًا للثقافة. وتكمّل العولمة المهمة حين نعتمد نظام التجارة أداة أساسية في تسليع كثير من مظاهر الحياة، وجعلها أمورًا جاهزة للمتاجرة والمساومة. إن هذا الدفق الهائل من الرموز والصور الاستهلاكيّة يساعد -على نحو استثنائي- على انتشار الهُويّات المقاتلة دفاعًا عن الوجود، وقد لا يكون أمامنا لإدارة الصراع المحتدم في عمق الثقافة على هذا الصعيد إلا أن ندعم الأنشطة الروحيّة والأدبيّة والاجتماعيّة ذات النفع العام، وأن نحاول إضفاء المعنى على الأنشطة الدنيويّة من خلال الحرص على شرعيتها، وشرح ما يمكن أن يجعلها موصولة بالأعمال الأخرويّة. وما لم نفعل ذلك فإننا سنعاني من الانقسام والتمزق في أعماق ثقافتنا، وسنشعر بالكثير من تشتت الجذور وضياع الأهداف الكبرى
د. عبد الكريم بكار 1/1/1426
الشاغل الأول للثقافة الشعبيّة بما هي عادات وتقاليد ونظم ورمزيّات يتمثل في تحقيق أكبر قدر ممكن من التلاحم الأهليّ والتواصل الأخويّ وهي في سبيل تحقيق ذلك تجد نفسها مضطرّة إلى التغاضي عن كثير من الأخطاء الاجتماعية، والقبول بالكثير من الأوضاع والأشياء السيئة والضارة. إنها تجعل من نشاطها مركزًا للتسويات، وتبدي براعة نادرة في إبداع أنصاف الحلول وإمساك العصا من الوسط.
إن الناس يلوذ بعضهم ببعض في الرأي والموقف كما تلوذ الطير ببعضها أيام الصقيع.
إن التقليد والحرص الدائم على التوافق والتطابق، يعطي دائمًا إشارات الرّضا عن الأوضاع السائدة؛ لأنه يساعد على ذبول ملكة التمييز والتفريق بين الأشياء، ويجعل القدرة على النقد في أوْهَى حالاتها.
إن الثقافة الشعبية السائدة في أي مجتمع تدفع بالناس نحو التوحّد الشكلي بسبب الصندوق الذي تضعهم فيه. وذلك الصندوق مملوء بالتّحيّزات والأهواء والرؤى الجزئيّة المبتسرة، كما أنه مملوء بالمعايير والمقاييس غير العلمّية وغير الموضوعيّة. وفي كل الحالات يكون الخروج من ذلك الصندوق أو محاولة النظر إلى ما في خارجه -على أقل تقدير- شرطًا أساسيًا لامتلاك رؤية أصيلة ونظرة جديدة للذات وللعالم.
إن الوحي بما هو شيء منفصل عن إنجازات البشر، يُخرج أفذاذًا من الناس من صناديقهم الثقافيّة، ليقوموا بعد ذلك هم وأتباعهم بكسر الاتّساق والمنطق الشكليّ الذي يشعر به سكان الصندوق؛ لكن ذلك لا يكون من غير ثمن، يقول الله - جل وعلا-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران:19] .
العلم هو الذي أخرج إبراهيم -عليه السلام- من التّبعيّة لأبيه ليصبح هاديًا له ومرشدًا (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:43] . والثمن الذي يدفعه الأنبياء -عليهم السلام- وكل أولئك الذين يسيرون على منهجهم في الخروج على المألوف وإرساء قواعد جديدة للحياة -إن الثمن الذي يدفعونه هو القتل والإيذاء والاضطهاد والطّرد من الديار.
والحقيقة أن التفكير العميق والمنهجي هو الآخر يقوم بخلخلة ما يبدو متصلًا ومنسجمًا، ويقوم بإيجاد الفراغات وفتح الفجوات فيما يبدو ممتلئًا ومتماسكًا، إنه يزرع روح التحديث في جسد التقليديّ والمستمر. وبذلك يلتقي نتاج الفكر بثوابت الوحي وحقائق العلم، أو قل: يعمل العقل، ويشتغل على قطعيّات الوحي ومسلمات العلم.