فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 292

حيث تغادر بلدك بجسدك، فإنك تكون أمام فرصة حقيقيّة للتخلص من كل المفاهيم البالية والضغوط الاجتماعيّة الخاطئة، ومن كل الأهواء التي تُشبع بها أولئك الذين ما زالوا يقيمون في ذلك الوطن، وتُتاح لك فرصة أقل من هذه الفرصة حين تملك فضيلة التأبي وفضيلة التمييز بين الصواب والخطأ والحسن والقبيح، ولو كنت تعيش بين أهلك وفي مدارج صِباك. إنه الانفصال العقليّ والروحيّ الناتج من الامتلاء بالهدي الرّبانيّ: في كلتا الحالتين سيشعر المرء بالغربة، وبشيء من العُزلة والتفرّد، وسيواجه ضغوطًا وأزَمات لا يجدها أولئك المقيمون في أوطانهم، وأولئك المشتغلون بلقمة يومهم، الراضون بالفُتات والفاقدون للتّمييز. وقد قال عليه الصلاة والسلام:"بدأ الدين غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".

دين واحد بمفرده يحتفظ بنقائه واتجاهه وأهدافه بين عشرات الأديان والمذاهب والتيارات؛ إنه لشرف عظيم ومهمة صعبة. ومسلمون غرباء، يحاولون الاحتفاظ بنقائهم -أيضًا- ويعملون على إصلاح ما تفسده الجماهير العريضة. هؤلاء المسلمون طوبى لهم ثم طوبى!!

حين تغترب ببدنك أو بعقلك ومشاعرك فإنك تضع نفسك على رأس طريقين: أن تعيش على الهامش تجترّ آلام الغربة، وتبكي من الوحدة، وتبذل كل جهدك من أجل الاستمرار في الحد الأدنى من العيش تأكل وتشرب وتتكاثر وتتنفس، وإلى جانب ذلك تغرق في الحديث عن محاسن وطنك الذي فقدته ومساوئ البلد الذي حلَلْته، أو تغرق في ذكر مثالب الناس الذين يخالفونك في اتجاهك وانتمائك ورؤيتك للحياة. وتغرق في الحديث عن العامة والدهماء والغوغاء، وما أنعم الله -تعالى- عليك به إذ لم تكن واحدًا منهم.

أما الطريق الثاني: فهو أن تنطلق من نعمة الخروج من الصندوق والتحرّر من قيود الاستكانة لما هو سائدٌ وطاغٍ. وحينئذ فستشعر أنك تملك ما لا يملكه غيرك من ثقوب النظر والقدرة على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة. وستشعر أن في إمكانك أن تكون صاحب رسالة، تعيش من أجلها، وتعيش بها، وبهذا وحده يكون للغربة -بشقّيها- معنى، وتكون لها ميزة.

إن المسلم الملتزم والواعي بشجون عصره سيواجه من الآن فصاعدًا المزيد من الشعور بالغربة، وإن عليه أن يعدّ نفسه للاستفادة من هذا الشعور كي يجعل منه وقودًا روحيًا في حركة التحرير: تحرير الذات وتحرير الأمة وبناء المستقبل.

أمّة الإسلام -على كثرة عددها- غريبة بين الأمم، وأصالتها في غربتها ودورها المستقبلي في تقديم شيء للعالم يكمن في هذه الغربة. فكيف يمكن لها أن تقدّم هداياها للناس، وما طبيعة تلك الهدايا؟

هدايا الغرباء

د. عبد الكريم بكار 15/1/1426

في ظل الاتصال العالمي، وفي ظل سيطرة العولمة وانتشار مفاهيمها أخذت مشكلات العالم شرقًا وغربًا في التجانس والتشابه، أي يمكن القول: إن حاجة الإنسان في الغرب على المستوى الروحي والعقلي والأخلاقي لا تبتعد كثيرًا عن حاجات مسلم يعيش في الشرق، لكنه ضعيف الالتزام وغارق في شؤونه اليومية. وعلى هذا فإننا يمكن أن نقول -مع شيء من التجاوز والتعميم-: إن ما يمكن أن يقدمه الداعية والمفكر المسلم لإخوانه في ديار الإسلام يقترب شيئًا فشيئًا مما يمكن أن تقدمه أمة الإسلام للأمم الأخرى مع بعض الخصوصيات والاستثناءات. وعلى هذا فإن هدايا الغريب المسلم تتقارب مع هدايا الأمة المسلمة. شيء مهم أن نعرف ماذا نهدي، لكن حتى نعرف ذلك فإن علينا أن نعرف شيئين: ما الذي لا نستطيع إهداءه، وما الذي يحتاجه أولئك الذين سنقدم إليهم هدايانا ومن حسن الطالع أن يكون -في أغلب الأمر- ما لا نستطيع إهداءه هو ما لا يحتاجه الآخرون.

من الواضح أننا لا نملك بإمكاناتنا وأوضاعنا الحالية أن ننشئ دورة حضارية عالمية ذات صبغة إسلامية تعقب الدورة الحضارية الغربية السائدة الآن، وتعكس هيمنة القيم والأفكار والاعتقادات ومناهج العمل والتفكير الإسلامية. نحن لا نستطيع هذا الآن لأننا لا نملك الوسائل والقوى المطلوبة لذلك.

أيضًا نحن لا نستطيع الآن أن نُحدث طفرة علمية وتقنية وبحثية تدفع بما هو متوفر عالميًا نحو الأمام، ونسدي بذلك للإنسانية خدمة تحسِّن في رفاهيتها واستغلالها لخيرات الأرض؛ لأننا لم نستوعب إلى الآن ما هو موجود ولا نسهم إلا على نحو محدود جدًا في تطويره.

ونحن اليوم لا نستطيع أن نقدم نظامًا تربويًا أو تعليميًا أو إداريًا يتفوق على النظم الموجودة حاليًا، لأننا لم نطور نظمنا القديمة، ولا استخدمنا الموجود بكفاءة. لكن في إمكان الفرد المسلم المتميز أن يقدم لأمة الإسلام أشياء مهمة في كل ما ذكرناه، إذا عرف أن (الغربة) تعني التفوق والتقدم على الصفوف، وليس الضعف والعزلة.

العالم الذي تبنيه العولمة اليوم، وتبشر به الرأسمالية والليبرالية يفتقر إلى رؤية تركيبية توليفية، يشعر الإنسان من خلالها بالاطمئنان إلى مصيره بعد الموت، وتوفر له في الوقت نفسه الإطار التوجيهي في حركته اليومية. ونحن الذين نملك هذه الرؤية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت