لعل مما يسلِّم به الجميع الأثر الملموس لما قامت به الجماعات والاتجاهات الفكرية الدعوية، من جهد كبير في تكوين صحوة إسلامية قوية خلال القرن الماضي، والخمسين سنة الماضية بشكل خاص. بل وحسب تعبير الدكتور خالد الطراونه فقد شكلت"صحوة تغييرية شاملة ساهمت فيها أطراف مختلفة، ومشارب متنوعة، وأيديولوجيات متعددة هدفها"التمكين"، وإخراج بلدانها من"ربقة الاستعمار و"التخلف والتبعية"و"الاستبداد"، إلى أحضان الحرية والعدل والازدهار. مع ذلك فلا يخفى على أحد الواقع الأليم الذي يعيشه العمل الدعوي في العالم الإسلامي حاليا، نتيجة لتعدد الجماعات الإسلاميَّة المتناحرة، والآثار السيئة التي تجلبها للناس، والتي ربما تولد نوعا من الإحباط بين صفوف المسلمين، كما يحدث حاليا في باكستان وفي إيران، وفي الاتجاهات الإسلاميَّة والدعويَّة في العراق. ولعله يجلب الأسى فور تذكرنا أن المسلمين في بلاد الكفر على الرغم من قلتهم، وضعف حيلتهم، تكثر عندهم الجماعات الإسلاميَّة المتناحرة، إذ يذكر أحد الدعاة حال المسلمين في أيرلندا، حيث يبلغ عدد المسلمين فيها ما بين (850 - 1000) مسلم فقط، ومع ذلك يوجد ثلاث جماعات إسلامية متناحرة، مما يولد إحباطًا لهم، وربما صدا عن الدين لدى غيرهم.
مع ذلك يؤكد الدكتور عبدالكريم بكار أنه يجب الإدراك منذ البداية أن"مناط الخلاف"بين الجماعات الإسلاميَّة هي الفروع، وليست الأصول- في أكثر الأحايين -، ونظرًا لذلك فإن كل جماعة تشعر أنها على الحق، وبالتالي فهي تشعر أنها من مركز الدائرة، وأنه لا معنى بأن يطلب منها أن تتبع غيرها (كما هو شأن المذاهب الفقهية تمامًا) ، أو حتى التنسيق معها، وهذا سر إخفاق معظم المحاولات التي تبذل لجمع كلمة الإسلاميين.
يرى الشيخ محمد العبده أن توحيد الجماعات والدعاة توحيدًا اندماجيًا هو من الصعوبة بمكان، إن لم يكن مستحيلا. ويجب أن نكون أكثر واقعية وعمليّة، إذ أن عدم قدرتنا على"جمع الكلمة"أمر معروف ومتوقع،"فكلمة الإنسان وموقفه وأولوياته"هي في الواقع جزء من"شخصيته"، وانعكاس مباشر لتفرده وخصوصيته، والتي يستحيل أن يتفق عليها البشر. لذلك فإن المبادرة الحالية تعتمد الواقعية منهجا، ولذا لا تطمح إلى جمع الكلمة، بين الدعاة والجماعات، وإنما تستهدف"جمع الصف"بين الإسلاميين. من هنا يؤمن الشيخ سلمان العودة بضرورة وإمكانية"توحيد الصف"، في الوقت الحالي، حيث لا يقصد به أن ينسبك الجميع في وحدة أو مجموعة واحدة، لأننا ندعو إلى التعددية الآن، سواء داخل الصف الإسلامي، أو خارجه. وإنما يمكن اتخاذ خطوات عمليّة تقرب وتساعد على الوحدة والعمل في الساحة بأهداف بعيدة المدى، مع الإقرار بوجود الخلاف والتعامل معه بأريحية وإيجابيّة. هذا ما يفرضه الواقع الآن، وتمليه الظروف العمليّة والقناعات الراسخة حاليا. بمعنى أنه عندنا إطار شرعي عام، وما سوى ذلك لا يفرض أحد على أحد ذوقه الخاص، أو رؤيته الخاصة، فالناس لم يُتعبدوا إلا بمحكمات الكتاب والسنة، وقطعيات الإجماع التي مضت عليها الأمة، وما وراء ذلك فيه مجال واسع وخصب لأن يتفق الناس وأن يختلفوا، وأن يتعاذروا فيما بينهم.
ثمة مسألة هامة، إذ يشير بعض الدعاة إلى أنه لا يوجد في الأصل"أزمة حوار"، ولا"أزمة مبادئ"بين الدعاة والجماعات الإسلاميَّة، بل أن المشكلة الرئيسة أن ثمة"أزمة ثقة"بينهم. من هنا وحيث أن الدعاة صادقون جميعهم، ومخلصون لدينهم، كما نحسبهم والله حسيبهم، فإن الأمر كله لا يحتاج إلا إلى واقعيَّة حقيقيَّة في النظرة والتصور، ثم إلى رجال مخلصين مهمتهم التقريب والتوفيق بين مواقف الدعاة والعلماء، وجمع الصف على كلمة سواء. هذا الأمر ليس مستحيلًا بل سيتحقق عن قناعة، إذا صدقت العزائم والنوايا بإذن الله تعالى.
المحاور الرئيسية للمبادرة
تعتمد هذه المبادرة على عدد من الاستراتيجيات ضمان المحاور التالية:
* إدراك ونشر المفهوم الحقيقيّ لوحدة الصف الإسلامي
* تعظيم استخدام الآليات الإيجابيّة في التعامل مع الآخرين
* استخدام وسائل وآليات واحدة وتنفيذ مشروعات مشتركة
* مراجعة الغاية الأساسية من وجود الجماعات والاتجاهات الإسلامية
ضمن المحور الأول ثمة العديد من الاستراتيجيات حسب وجهة نظر العديد من الكتاب والمثقفين، أبرزها ما يلي:
1.إدراك أن المقصود بوحدة الصف ألا تتحول الاختلافات الجزئية بين الجماعات، إلى ألوان من الصراعات التي تستنزف الجهد الإسلامي. هذه الاستراتيجية يطرحها الشيخ سلمان العودة معتقدا أن المهم هو تكوين نضج وتربية: تتفاهم مع الآخرين، وتقبل عذرهم، وتتفق معهم، وتختلف معهم أيضا، لكن لا تجعل من هذه الاختلافات مجال للتخندق، والتباعد، والصراع. إن المشكلة في كثير من الأحوال أن يستشعر كل فريق أنه يجب أن يبدأ بالأقربين الذين يخشى أن يكونوا منسوبين إليه، لذلك لابد أن ينفيهم عنه. لقد سمعنا من يقول:"البعيد معروف أنه بعيد، المشكلة في القريب الذي يتلبس به"، ورأينا بعض الإسلاميين يتحولون إلى كائنات مشغوفة بافتعال الصراع مع الأقرب فالأقرب.