فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 292

1)لا يستطيع أحد فينا أن يزعم أن أحوال المرأة المسلمة على خير ما يرام فنحن نشكو من سوء حال المرأة المسلمة، كما نشكو من سوء حال الرجل المسلم؛ بل إنه ليس في الغرب أو الشرق من يستطيع أن يدعي أن أحوال نسائه ورجاله مستغنية عن الإصلاح، وإذا كان في الدول الغربية من يتخذ من الحديث عن أوضاع المرأة المسلمة عامة والمرأة العربية خاصة وسيلة للضغط علينا ووسيلة للتدخل في شؤوننا، فإن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى التباطؤ في تنمية المرأة المسلمة ودفعها نحو الأمام.

نحن من حيث المبدأ مع كل من يدعو إلى الإصلاح كائنًا من كان، ولكل من يساعدنا عليه الشكر والعرفان.

2)من المهم أن نعترف أنه على مدار العقود الخمسة الماضية -ولك أن تقول القرون- كان جل اهتمامنا مصروفًا إلى صيانة المرأة المسلمة والتفكير في المحافظة عليها ومنعها من الاختلاط بالرجال. قد صرفنا 80% من جهودنا في ذلك، وصرفنا 20% منها على صعيد تنميتها وإعدادها للمهمات الملقاة على كاهلها.

وكان علينا أن نفعل العكس من ذلك. إننا لا نختلف في أهمية حجاب المرأة وأهمية إبعادها عن مواطن الفتن وإبعاد مواطن الفتن عنها، لكن هذا يجب أن يتساوق مع توفير البرامج والأطر والآليات التي تساعدها على أن تكون الزوجة والمربية والداعية والمواطنة الصالحة والمنتجة، ولو أننا تساءلنا عن المؤسسات التي توفر ذلك لم نجد إلا القليل والقليل جدًا مما يمكن أن نتحدث عنه.

3)إن الغرب حين يطالب بإصلاح أوضاع المرأة المسلمة -وكذلك الذين يحتطبون بحباله- ينظر إلى واقع المرأة لدينا، وإلى ما يجب أن تكون عليه من أفق ثقافته ورؤاه الحضارية، وبما أن الغربيين يجعلون من ثقافتهم ومن منجزاتهم مرجعية كونية شاملة ومتفردة، فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا أن العالم وإن كان يستظل بحضارة واحدة، هي حضارتهم إلا أنه يحتفظ لنفسه بتنوع ثقافي هائل. ونحن المسلمين لسنا راضين عن وضع المرأة الغربية، كما أن ما اقتبسته بعض الدول الإسلامية من الغرب على صعيد المرأة سبَّب لنا مشكلات كثيرة، ولم ننتفع منه بشيء ذي قيمة؛ ومن ثم فإننا لا نجد لدى الغرب النموذج المنشور للمرأة المسلمة.

إن أمة الإسلام وهي تحاول النهوض بأوضاع المرأة لديها لا تنطلق من فراغ تشريعي أو معرفي، كما أنها ليست الأمة الطارئة على التاريخ، ولا الأمة التي تشكو العوز على مستوى الأعراف والتقاليد والدلالات الرمزية. إننا بمعنى آخر نملك على مستوى الفلسفة وعلى مستوى التشريع منظومة من القيم والمفاهيم والأحكام التي توجه كل حركات النهوض والتقدم على الصعد كافة بما فيها صعيد المرأة. وإننا بالتالي نعتقد أن الإصلاح الذي يرمي إلى نزع قضية المرأة من تلك المنظومة ليس بإصلاح، وإنما هو تخريب. تحريم الله -تعالى- للزنا يستلزم بداهة تأسيس أوضاع، تساعد الرجال والنساء على العفاف من نحو البعد عن اختلاط الجنسين وستر المرأة لمفاتنها، والبعد عن كل ما يهيج الغرائز. وإن كون المرأة ترث نصف نصيب الرجل من الميراث في بعض الحالات -مرتبط بتشريعات أخرى مثل كون الرجل هو المكلف بالإنفاق على الأسرة، ومثل كونه هو الذي يدفع المهر وهكذا...، إن كثيرًا من الذين يطالبون بإصلاح شؤون المرأة وفق ما هو سائد لدى العالم الصناعي لا يعيرون أي انتباه لمسألة مهمة، هي أن التقدم على النحو الممتاز يظل مرتهنًا للانسجام بين معتقدات المرء وسلوكاته وأوضاعه العامة. كما أن التوجيهات والتشريعات الإسلامية تعمل مجتمعة في إطار منظومة واحدة، وإن إدخال أي تعديلات جوهرية على أي جزء من أجزاء المنظومة يعوق آداءها الكلي.

4)إذا تركنا الثوابت التي لدينا في القضايا المتعلقة بشؤون المرأة، فإننا سنغادرها إلى اجتهادات وتجارب بشرية قاصرة وصادرة من رؤى إقليمية وجانبية محدودة (والعقل لا يصدر دائمًا إلا عن رؤى جزئية) ، وتلك الاجتهادات متغيرة ومتجددة والارتباط بها لا يعني التبعية لما هو مرحلي ومتطور فحسب، لكنه يعني أيضًا إحداث تصدعات في البنى العميقة داخل مجتمعاتنا وتشتيت القوى الاجتماعية بين متمسك بالقديم ولاهث خلف الجديد، وليس في هذا مصلحة لأي أحد فينا.

حين غزا الأوربيون أفريقيا في القرن التاسع عشر أبدوا استهجانهم لتكشف المرأة الأفريقية وعدم اهتمامها بستر جسدها، حيث كانت المرأة الأوربية آنذاك تلبس ثيابًا طويلة سابغة، كما كانت تضع شيئًا على رأسها، واليوم تجاوز العري الأوربي كل مقاييس الحشمة، وصار ما هو دارج حجة أخلاقية وقانونية يمكن الاتكاء عليها بعيدًا عن أي نصوص دينية أو موروثات ثقافية. وتجاوز الأمر ذلك أيضًا إلى أنه يضيق بلد ذرعًا بقطعة قماش تضعها مسلمة على رأسها، وتصدر القوانين الحاظرة لذلك، مع أن ذلك البلد يوصف بأنه مركز التنوير والإشعاع الحضاري والديموقراطي الأول!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت