إن قول الله - جل وعلا: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) يدل على رؤية الناس لجزاء أعمالهم في الآخرة، ويمكن أن نهتدي به في القول: إن ما يفعله الناس من خير وصلاح ومعروف وتنمية جيدة - إن كل ذلك يرونه في نوعية الأوضاع والظروف العامة التي يعيشون فيها، والتي ستعيش فيها ذراريهم من بعدهم؛ كما أنهم جميعًا سيرون آثار ما يصدر عنهم من شرور وآثام وأخطاء وخطايا على شكل صعوبات ومشكلات ومعوقات في وجه الحياة الطيبة التي يسعون إليها.
وإني أعترف هنا -وقبل كل شيء- أنني لا أملك الإمكانية الذهنية ولا المعرفة الكافية لرسم ملامح خطة شاملة وبعيدة المدى تستهدف توفير بيئة تساعد الفرد المسلم والدولة المسلمة على النهوض بأعباء الاستخلاف في الأرض، لكني سأبذل جهدي في وضع بعض النقاط على بعض الحروف الكبيرة، ومن الله - تعالى- الحول والطول.
1-قلما وجّه الدعاة والمصلحون لدينا اهتمامهم إلى نوعية البيئة التي يحتاج إليها المسلم كي يحيا زمانه بفاعلية ودرجة من الراحة في إطار العقيدة والقيم والآداب التي يؤمن بها، فقد كان الاهتمام - وما زال- بما يجب قوله أو بشروط الداعية الناجح دون النظر إلى الشروط التي تجعل المدعوين أقرب إلى التفاعل والاستجابة مع أن تأثير الظروف والمعطيات السائدة في توفير خيارات الحركة، وفي حفز الناس على تحديد اتجاهاتهم ومواقفهم تأثير هائل، وأكبر بكثير مما نظن.
إن الفرق بين البيئة المعاكسة والبيئة المواتية للاستقامة والرشاد والعطاء كالفرق بين من يسبح عكس التيار، ومن يسبح مع التيار؛ حين نطلب من شاب أن يبدع ويصبح باحثًا متميزًا في فرع من فروع العلم، ونجد أنه يعيش مع خمسة من إخوته في حجرة واحدة، وليس معه ثمن مرجع يشتريه، ولا تكاليف تجربه يجريها، كما أنه ليس في البلد الذي يقيم فيه مكتبة عامة ولا مركز تدريب ولا جمعية خيرية تمد يد العون في شيء.. حين نطلب ذلك؛ فإن الاستجابة ستكون في منتهى الصعوبة، وستكون في معظم الأحيان هزيلة، وسيكون المستجيبون من الشباب للتحفيز على البحث والإبداع قلة قليلة، أما الباقون فإنهم سيرضخون للظروف وسيرضون بأقل القليل من الإنجاز. وهذا ما هو حاصل فعلًا الآن في كل أنحاء العالم، وفي كل مجالات الحياة. البيئات المحطَّمة والهشة والجاهلة تحطم قوى من يعيش فيها، وتحطم تطلعاته وطموحاته، وتجعل آفاقه محدودة. ولهذه القاعدة شذوذات ملموسة ، لكن الذي يمنح الحياة ملامحها ليست الأمور الشاذة والنادرة وإنما الأمور الغالبة والكثيرة.
إن بلدًا صغيرًا مثل هولندا أو بلجيكا يسجل من براءات الاختراع ما يعادل نصف ما يسجله العالم الإسلامي بطوله وعرضه!، وإن براءات الاختراع التي تسجل في (إسرائيل) سنويًا يزيد على ما يسجل في الوطن العربي ذي الثلاثمائة مليون!!، وإن ما تنشره جامعة (هارفارد) من بحوث سنويًا يعادل ما تنشره كل الجامعات العربية مجتمعة!!.
2-إذا تأملنا في ردود أفعال الأمة على جملة الانحرافات التي كانت تحدث فيها لوجدنا أننا على مدار التاريخ - مع استثناءات مقدَّرة - كنا نعالج مشكلاتنا بوسيلتين؛ هما: سنّ المزيد من النظم والقوانين التي تقيّد حركة الناس وتحدّ من اندفاعاتهم، وقد عبّر عن هذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- حين قال:"يحدث للناس من الأقضية على مقدار ما يُحدثون من الفجور"أي يحدث نوع من التشديد في الأقضية والجزاءات على مقدار ما يصدر منهم من تصاعد في الانحراف.
والوسيلة الثانية هي: (القوة) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وقد أشار إلى ذلك عثمان - رضي الله عنه - حين أطلق مقولته الشهيرة:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، ولو أن أبا بكر - رضي الله عنه- قال ذلك لما قُبل منه ولما كان دقيقًا؛ لأن الردع في زمانه كان بالقرآن (وهو ما نعبر عنه اليوم بالثقافة) أكثر من الردع بالسلطان (وهو ما نعبر عنه القوة) ، ومع اضمحلال دور الثقافة والوازع الداخلي كان اللجوء إلى استخدام الشدة في إدارة الحياة العامة يتعاظم وينتشر، وقد نقل ابن حجر في فتح الباري عن الشعبي قوله:"كان عمر فمن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ونزعوا عمامته، فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط، ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية، فلما كان بشر بن مروان سمر كفَّ الجاني بمسمار، فلما قدم الحجاج قال: هذا كله لعب فقتل بالسيف".