النتيجة النهائية لهذه وتلك هي إخراج المسلم الخائف والخانع والسلبي والإمعة وإخراج المجتمع الذي يُظهر ضروبًا من الامتثال للنظم السارية في الوقت الذي يضمر فيها روح التمرد والتبرم، كما يضمر الكثير من السلوكات والأعمال السيئة. ومع إيماننا بأنه لا يمكن لمجتمع أن يعيش من غير نظم وقوانين توجه الحركة الاجتماعية وتشكل المرجعية الأخلاقية والتنظيمية للناس، ومع إيماننا بأن الدولة مهما كانت عادلة وفاضلة وناجحة لا تستغني عن استخدام شيء من السلطة والقوة؛ إلا أن علينا أن ندرك أن هذا الأسلوب في معالجة الأخطاء ليس هو الأسلوب الصحيح من وجهة النظر الإسلامية، ولا هو بالأسلوب العملي والمنتج والملائم لبلوغ الأهداف التي نسعى إليها.
على المدى البعيد لابد من العمل على توسيع مجال عمل (الثقافة) في تحديد مسارات المجتمع وفي كبحه عن الانحراف والرذيلة . فجوهر الإيمان والإسلام لا يقوم على الإكراه ولا على الامتثال للضغط الخارجي، وإنما يقوم على الاختيار والمبادرة الشخصية والشعور بالمسؤولية. والدولة الفاضلة هي التي تدير شؤون مجتمعها بأقل قدر من القوانين ومن أدوات القهر والإكراه، والفضيلة لا تكون لذلك إلا بتعشق الناس لها واستعدادهم للتضحية من أجلها.
إن كثرة السجون وتصاعد الرقابة الصارمة، وسن المزيد من القوانين؛ هو دليل على قصور التنشئة الاجتماعية، كما أنه دليل على ضعف الإيمان وأدبيات التدين السائد في تشكيل مواقف الناس وسلوكاتهم، ودليل على ضعف جاذبية الدولة في كسب ولاء الناس وتجاوبهم. وقد آن الأوان للتفكير العميق والعمل الجاد من أجل تشكيل بيئة يمتنع فيها الناس عن الانحراف والفساد بدافع من إيمانهم وخوفهم من الله -تعالى- وليس بدافع من خوف الدولة أو كلام الناس. ومداخل مثل هذا الاتجاه واضحة لدى أهل البصيرة والخبرة.
على المدى البعيد (2)
أ.د. عبد الكريم بكار 24/10/1424
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن وضع الأمة في بيئة تساعدها على تحسين إنتاجيتها وتحرير طاقاتها واكتشاف إمكاناتها الحضارية الكامنة؛ يتطلب أن نعطي لمسائل الأمن والاستقرار والسلام والوئام الاجتماعي جلَّ اهتمامنا وعنايتنا.
حين يضطرب حبل الأمن فإن الفرصة تصبح متاحة لظهور كل أشكال التوحش والهمجية التي اختفت تحت قشرة رقيقة من طلاء الحضارة. وقد دلت شواهد التاريخ ومعطيات الواقع أن أشد الحاجات إلحاحًا تتمثل في اهتداء الناس إلى طريقة ناجعة لإدارة العنف والتوتر الذي ينشأ نتيجة تصادم رغباتهم ومصالحهم؛ حيث إن اجتماع الناس بعضهم مع بعض على مقدار ما يوفر من المباهج والمسرات والمشاعر الحميمة يوفر إمكانات التناحر والتحارب.
حاجة الناس إلى أن يتعايشوا في إطار نظم وقوانين توضح مبادئ حقوقهم وواجباتهم حاجة ماسَّة؛ لكن هذه الحاجة لا يمكن تلبيتها في أجواء الحرب الأهلية والتطاحن الاجتماعي.
إن القانون السائد مهما كان غير عادل وغير مكتمل فإنه يظل خيرًا من الوضعيات التي لا يحكم فيها أي قانون حيث يتحول المجتمع إلى غابة ليس فيها إلا مفترِس ومفترَس وظالم ومظلوم!.
ليست إدارة العنف داخل المجتمعات بالأمر السلس واليسير، فهذه القضية دوَّخت العالم من أدناه إلى أقصاه، والتقدم الذي تحقق على صعيدها نسبي وغير مرضٍ في معظم الحالات، ولعلي أقف مع هذه المسألة الوقفات التالية: