فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 292

ربما نكون قد قدَّمنا نموذجًا واحدًا ثابتًا وشاملًا في مسألة تكافؤ الفرص وإشاعة العدل والتعامل على أساس الكفاءة الشخصية وليس على أي أساس آخر؛ ذلك النموذج هو ما يتم في تشكيل المنتخبات الوطنية التي تمثل بلاد المسلمين في الألعاب الرياضية الدولية. هنا يتم تحري الأكفأ والأليق دون حساسيات ودون حسابات خاصة ودون اعتبار لمنافع جانبية؛ في الأعم الأغلب. وأنت تلاحظ ما يثيره هذا السلوك الجيد من حمية الناس وحماستهم وتعاطفهم حيث ينقلب الشخص غير المكترث بذهاب وطن إلى إنسان مشتعل حماسًا إلى درجة لا تُصدَّق بسبب دخول كرة فريقه الوطني في شباك مرمى المنافس!، وإني لا أشك أن الناس سوف يتفاعلون ويبذلون ويهبّون تجاه كل المسائل الكبرى إذا شعروا أن الأمور تجري فيها على ما ينبغي، ووجدوا الإطار الذي يعبرون من خلاله عن ذلك؛ فالخير متأصل في النفوس والولاء لأمة الإسلام وللمجتمع الإسلامي ضارب أطنابه في أعماق شخصية المسلم.

الوطنية في جوهرها شعور بشرف الانتماء لبقعة من الأرض تحكمها نظم وقوانين واحدة، ويجمع الناس الذين يعيشون عليها الالتزام بمبادئ وقيم موحدة، والسعي إلى أهداف متقاربة ولا معنى للانتماء إلى أرض لا تتوفر فيها هذه المعاني. وقد قال أحدهم: لماذا أدافع عن وطن لم يؤمّني من خوف، ولم يُطعمني من جوع، ولم يساعدني على ارتجاع حقي المغتصب؟!.

3-يتطلب استتباب الأمن والشعور بالسلام والاستقرار إحساس الناس بأن لهم نوعًا من المشاركة في إدارة الشأن العام. أما في الأمور اللصيقة بهم؛ فلا يُتخذ قرار دون موافقة أغلبيتهم عليه. وإن قول ا لله - جل وعلا- ( وأمرهم شورى بينهم) يوضح أن بعد الشورى ليس سياسيًا فحسب؛ وإنما لها أبعاد أخرى: أخلاقية وتربوية واجتماعية.

على المستوى السياسي من المهم جدًا أن يعرف الناس أنهم من خلال الشورى يستطيعون تحقيق ولايتهم على أنفسهم ، ويستطيعون أن يثقوا أنهم إذا ابتلوا بحكومة سيئة، فإنهم قادرون على التخلص منها من غير إراقة دماء أو تخريب للمرافق والممتلكات العامة؛ فالسلم الاجتماعي لا يأتي من خلال الدعوة إليه، وإنما من خلال فتح طرق للتغيير والتطوير والتحسين، تبتعد عن التآمر والقتل والتخريب. إننا أحيانًا نمتنع عن استشارة الناس خوفًا من أن يأتوا بعناصر سيئة تسيء للدين والمصلحة العامة، وهذا الخوف مقدَّر ومعتبر وقد يحدث هذا فعلًا في بعض الأحيان ولاسيما في البدايات أو عند فساد التربية، لكن هذا لا يشكل القاعدة، فالولاء للدين وللصلاح والكفاءة قوي جدًا في الأمة؛ وفي الإمكان وضع ضوابط تحد من مخاطر هذا الأمر. وعلى كل حال فلن نستطيع أبدًا العثور على صيغة في إدارة العنف وتسيير الشأن العام، تخلو من السلبيات أو الأخطاء. ولا بد في سبيل أن تنال بعض الأشياء من أن تخسر أشياء أخرى. هذا هو حال الإنسان الذي يجد نفسه أبدًا عاجزًا عن الصدور عن رؤى كلية وبناء تنظيمات وترتيبات كاملة.

إننا في حاجة ماسَّة حتى ننهض ونتخلص من أشكال العنف إلى أن نجعل الشورى تقليدًا محترمًا في بيوتنا ومدارسنا ودوائرنا ومؤسساتنا وكل مناشط حياتنا؛ فالقضايا الكبرى تظل قضايا خاسرة ما لم تتصد الأمة لحملها والمساهمة في إنجاحها. وكل حمل يتم خارج رحم الأمة هو أشبه بالحمل الكاذب. لكن الأمة غير مستعدة للتضحية ما لم تشعر أنها تشارك في صنع القرار، وأنها ليست عبارة عن أدوات للتنفيذ فقط. وعلى علمائنا ومفكرينا وخبراء التشريع والقانون فينا أن يبدعوا في إيجاد صيغ تنظيمية تجعل الشورى أسلوب حياة، كما تجعل منها أداة للإصلاح والارتقاء في إطار الأصول والثوابت التي نؤمن بها.

4-إنني أتساءل دائمًا: هل يمكن للأمن والنظام والسلام والاستقرار والتعايش السلمي أن يتم في أي مجتمع من المجتمعات دون وجود تنظيم جيد للنقد والمعارضة وتضارب الرؤى والآراء والاتجاهات؟

ليس من المقبول في اعتبار العقل والشرع أن يقول من شاء ما شاء دون خوف المساءلة القضائية عن صحة ما يقول، ولا أن يفعل الناس ما يعنّ لهم ولو كان ضارًا بالمصلحة العامة. كما أنه ليس من المقبول أن تكمم الأفواه، فلا يتمكن أي أحد من إبداء وجهة نظره في شأن عام، مهما كان رأيه سديدًا ورشيدًا، فالقرآن الكريم شجّع الناس على ممارسة النقد من خلال معاتبة النبي - صلى الله عليه وسلم- على بعض اجتهاداته ومعاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم- على بعض ما وقع منهم؛ حيث يُعد التستر على الأخطاء أكبر مشجع على تكرارها واستمرارها، وحيث يُعدّ النقد والبحث عن أشكال القصور وأنواع الأخطاء والخطايا من أفضل الوسائل المساعدة على الإصلاح وتخليص الناس من كثير من المشكلات والأزمات ومحاصرة المفاسد والشرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت